عمرو أبوالعطا
في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وعلى أرض اليابان البعيدة التي تبدو لنا دائمًا وكأنها خرجت من كتاب أساطير حديث، وُلد عمل لم يكن أحد يتوقع أن يتحول إلى هذا القدر من الجنون الجماعي الجميل. مجرد مسلسل رسوم متحركة، هكذا قيل في البداية، ثم فجأة اكتشف العالم أنه أمام شيء يشبه الزلزال، يهز الذاكرة ويعبث بالطفولة ويترك في الرأس تلك الأغنية التي لا تغادره حتى بعد أن يكبر ويبدأ في دفع الفواتير وفهم الضرائب.
جريندايزر لم يكن «كرتون أطفال» بالمعنى البريء للكلمة، كان إعلانًا غير رسمي عن أن الخيال يمكن أن يغزو الواقع بهدوء شديد، وأن طفلًا في القاهرة أو باريس أو الرباط يمكن أن يتوهم لسنوات أنه شريك في معركة كونية ضد إمبراطورية شريرة تأتي من الفضاء، ولا أحد يسأله ؛ لماذا تصدق هذا؟ لأن الإجابة ببساطة ؛ ومن قال إننا لا نحتاج أن نصدق شيئًا جميلًا وسط هذا العالم الفوضوي؟
الفكرة بدأت مع رجل اسمه جو ناجاي، رسام مانغا يبدو في الظاهر وكأنه يجلس في زاوية هادئة يرسم روبوتات، لكنه في الحقيقة كان يفعل شيئًا أخطر؛ كان يعبث بصورة البطل نفسه. قبل جريندايزر كان هناك مازنجر وجريت مازنجر، أبطال من حديد وعضلات فولاذية وضربات نهائية تنهي الحلقة. لكن مع جريندايزر، تغير المزاج تمامًا، دخلنا منطقة أكثر ظلمة، أكثر إنسانية، وربما أكثر صدقًا.
البطل لم يعد مجرد شاب متحمس يصرخ ويقود آلة عملاقة وكأنه في لعبة فيديو، بل أصبح دوق فليد، لاجئًا من كوكب محروق، ناجيًا من إبادة جماعية كونية، يحمل على كتفيه ذاكرة كاملة من الفقد. تخيل الأمر بهذه البساطة المؤلمة: شخص فقد كل شيء، ثم جاء إلى الأرض ليحرسها من مصير مشابه. ليس لأنه يحب القتال، بل لأنه لم يعد يملك رفاهية رفضه.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية، تلك التي لا تحتاج مؤثرات صوتية. دوق فليد يكره الحرب، وهذه ليست جملة رومانسية، بل مشكلة وجودية. الرجل الذي يرفض العنف مضطر لاستخدام آلة صممت أساسًا كسلاح تدمير شامل. وكأن القدر يقول له ؛ «أعرف أنك طيب، لكن تفضل هذا السلاح العملاق واذهب لإنقاذ العالم».
جريندايزر نفسه فكرة ثقيلة. آلة يمكنها أن تكون خلاصًا أو لعنة، حسب اليد التي تقودها. وهنا يظهر ذلك السؤال الذي كان جو ناجاي يلوّح به دون أن يصرخ ؛ من المسؤول؟ الإنسان أم الآلة؟ أم الاثنان معًا في لعبة لا أحد يفهم قواعدها بالكامل؟
دوق فليد، أو دايسكي كما يُعرف في حياته اليومية البسيطة داخل المزرعة، يعيش حياة مزدوجة تشبه أفلام الجاسوسية، ولكن بدون ترف البدلات الأنيقة.
صباحًا شاب يعمل في مزرعة، يبتسم للخيول وكأنه هارب من كل شيء، وفي الليل يتحول إلى كائن آخر يركب آلة عملاقة وينقذ الأرض. والجميل أن أحدًا لا يسأله عن هذا التحول النفسي الحاد، وكأن الجميع اتفقوا على تجاهل السؤال الكبير؛ كيف يعيش إنسان بهذا الانقسام دون أن ينفجر؟
لكن ربما لأنه ليس مجرد بطل، بل رمز لكل من اضطر أن يعيش حياتين في وقت واحد. حياة يريدها، وحياة فُرضت عليه.
ثم تأتي الندبة، تلك التي في كتفه، ذاكرة جسدية لا تعرف النسيان. كلما اقترب الخطر، وكأن الألم يوقظه من الداخل. وكأن جسده نفسه يقول له: “لا تنسَ ما حدث هناك”. وهكذا يتحول الألم إلى بوصلة، والجرح إلى دليل طريق.
وإذا انتقلنا من البطل إلى العالم العربي، سندخل منطقة أكثر غرابة ؛ منطقة الدبلجة اللبنانية، التي قامت بعمل يمكن وصفه دون مبالغة بأنه إعادة خلق للعمل. فجأة أصبح جريندايزر يتحدث العربية الفصحى وكأنه خرج من كتاب تراث، لا من استوديو ياباني. كلمات قوية، نبرة ملحمية، إحساس بأنك لا تشاهد حلقة كرتون بل تسمع خطابًا في معركة مصيرية.
وكان صوت دوق فليد، بصوت جهاد الأطرش، جزءًا من السحر. الصوت لم يكن مجرد أداء، بل سلطة أخلاقية. عندما يتكلم، تشعر أنك أمام شخص يعرف تمامًا معنى أن تخسر كل شيء ثم تقرر أن تقاتل رغم ذلك.
وهنا حدثت المعجزة الصغيرة: الطفل العربي لم يعد يشعر أنه يشاهد عملًا مترجمًا، بل عملًا ينتمي إليه. وكأن دوق فليد خرج من أرض عربية قديمة، لا من مجرة بعيدة.
ولأن الصدفة لا تحب أن تكون بريئة، جاء جريندايزر إلى العالم العربي في وقت كان فيه كل شيء مضطربًا. هزائم، حروب، شعور عام بالعجز، وأسئلة لا أحد يملك إجاباتها. فجأة ظهر بطل يقول: يمكن القتال. يمكن المقاومة. يمكن الوقوف حتى لو كان العدو أكبر من الخيال.
لم يكن فيغا مجرد شرير فضائي، بل كان صورة مكثفة لفكرة الطغيان نفسه. قوة بلا قلب، آلة توسع لا تعرف التوقف. وفي المقابل، كان جريندايزر هو الرد الوحيد الممكن في عالم لا يعطيك خيارات كثيرة.
ولأن الخير لا يعيش وحده، كان الشر نفسه في جريندايزر متنوعًا بشكل مدهش. قادة يتصارعون، طموحات تتآكل، شخصيات تحمل تناقضاتها داخلها، وكأن العمل يقول لك: حتى الشر ليس بسيطًا كما نظن، إنه أيضًا مؤسسة معقدة، مليئة بالغرور والارتباك.
ثم يظهر كوجي كابوتو، البطل السابق، الذي يتحول إلى مساعد. وهذه وحدها فكرة كفيلة بأن تزعج أي طفل في السبعينيات: كيف يصبح البطل رقم اثنين؟ لكن الزمن يضحك ويقول: هكذا تنضج القصص، وهكذا يكتشف الأبطال أن العالم أكبر من أسمائهم.
وفي الخلفية، هناك ماريا، وهي ليست مجرد إضافة عاطفية، بل قطعة مفقودة من ذاكرة البطل نفسه، تذكّره أن الماضي لا يموت، بل يعود في أكثر اللحظات غير المناسبة.
أما في أوروبا، فقد حدث ما يشبه الهستيريا الثقافية. فرنسا أطلقت عليه اسمًا آخر، وارتفعت نسب المشاهدة إلى مستويات تبدو اليوم خيالية. فجأة أصبح الروبوت العملاق موضوع نقاش في الصحف، في المدارس، وحتى في جلسات المثقفين الذين لم يكونوا متأكدين هل يجب أن يقلقوا أم يستمتعوا.
وفي إيطاليا، تحول إلى أغاني ومجلات وملصقات، وكأنه لم يعد مسلسلًا بل ظاهرة اجتماعية تمشي على قدمين فولاذيتين.
وإذا أردنا أن نكون صادقين، فجزء كبير من قوة جريندايزر لم يكن في القصة وحدها، بل في ذلك المزاج العام الذي صنعه: موسيقى تجعل قلبك يقفز، معارك تبدو كأنها نهاية العالم، ومشهد واحد كفيل بأن يجعلك تعيد تقييم طفولتك بالكامل.
الموسيقى تحديدًا كانت بطلًا خفيًا، تصنع الحزن حين يجب أن نحزن، وتدفعك للانطلاق حين يجب أن تشعر أنك قادر على إنقاذ الكون وحدك رغم أنك بالكاد تستطيع إنقاذ امتحان الرياضيات.
ثم جاء العصر الحديث، وجاءت العودة. جريندايزر يو. نسخة جديدة، ألوان جديدة، أسئلة جديدة، وجدل قديم يعود من الباب الخلفي. البعض قال: تحديث جميل. والبعض الآخر قال: لماذا نلمس الأسطورة؟ وكالعادة، لم يكن هناك جواب واحد.
لكن الأهم أن جريندايزر لم يمت. لم يتحول إلى ذكرى. بقي يتحرك في الذاكرة الرقمية، في الميمز، في المقاطع القصيرة، في الضحكات التي تحمل حنينًا غريبًا. أصبح جزءًا من لغة الإنترنت، وكأن دوق فليد قرر أن يهاجر من الفضاء إلى منصات التواصل الاجتماعي.
وفي النهاية، ربما لا يكون جريندايزر قصة عن روبوت يحارب وحوش الفضاء، بل قصة عن الإنسان نفسه وهو يحاول أن يفهم لماذا يحتاج إلى بطل أصلاً. لماذا نحب هذه الحكايات؟ لماذا نعود إليها رغم أننا نعرف أنها خيال؟.
ربما لأن داخل كل واحد منا دوق فليد صغير، فقد شيئًا ما، ويبحث عن آلة عملاقة تساعده على الوقوف من جديد. وربما لأن العالم، رغم كل تقدمه، ما زال يحتاج إلى صرخة تقول: انطلق يا جريندايزر.
وما زالت تلك الصرخة، بعد كل هذه السنوات، تبدو كأنها لم تُقل بعد.