د. هدى منصور
في الوقت الذي تبدو فيه اقتصادات كبرى حول العالم عالقة بين التضخم والديون وتباطؤ النمو والتوترات الجيوسياسية، تتحرك السعودية في اتجاه مختلف تمامًا؛ ليس باعتبارها اقتصادًا نفطيًا يستفيد مؤقتًا من ارتفاع أسعار الطاقة، بل باعتبارها دولة تحاول إعادة هندسة نموذجها الاقتصادي بالكامل وسط أخطر التحولات العالمية منذ عقود.
ما يجري داخل المملكة اليوم لا يمكن اختزاله في أرقام نمو أو مشاريع عملاقة أو ارتفاع في الإيرادات النفطية. الصورة أعمق من ذلك بكثير. السعودية تدخل فعليًا مرحلة إعادة تموضع اقتصادي واستراتيجي، تسعى خلالها للتحول من اقتصاد يعتمد على النفط كمصدر رئيسي للنمو، إلى اقتصاد يبني نفوذه عبر الاستثمار، والتمويل، والتكنولوجيا، والخدمات، والقدرة على إدارة الأزمات العالمية لا مجرد التأثر بها.
المفارقة اللافتة أن هذا التحول يحدث في توقيت شديد التعقيد عالميًا. الاقتصاد الدولي يعيش حالة من الارتباك غير المسبوقة؛ البنوك المركزية الكبرى لا تزال عاجزة عن إعلان نهاية معركة التضخم، وأسواق المال تتحرك تحت ضغط الفائدة المرتفعة، بينما تعيد الصراعات الجيوسياسية تشكيل خريطة الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. وفي قلب هذه الفوضى، وجدت السعودية نفسها أمام معادلة نادرة: ارتفاع أسعار النفط من جهة، وتسارع الحاجة العالمية إلى الاستقرار الاقتصادي والطاقة من جهة أخرى.
أسعار النفط التي عادت لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل خلال أبريل لم تكن مجرد ارتفاع عابر في الأسواق، بل كانت انعكاسًا مباشرًا لمخاوف عالمية مرتبطة بالإمدادات والطاقة والممرات البحرية الحيوية. ومع تعثر المفاوضات الجيوسياسية واستمرار التوترات حول مضيق هرمز، ارتفعت الأسعار الفورية للخام بصورة حادة متجاوزة أسعار العقود الآجلة، في إشارة واضحة إلى حالة قلق حقيقية داخل أسواق الطاقة العالمية. لكن اللافت أن السعودية تعاملت مع هذه التطورات بمنطق مختلف عن السابق؛ فالمملكة لم تعد تراهن فقط على زيادة كميات الإنتاج، بل أصبحت أكثر تركيزًا على إدارة القيمة السوقية لبرميل النفط وتعظيم العوائد من خلال مرونة التسعير وتحسين موقعها داخل سوق الطاقة العالمية.
ورغم هذه القفزة النفطية، فإن الاقتصاد السعودي لم يسجل نموًا استثنائيًا كما كان يحدث في دورات النفط السابقة، وهو ما يكشف بوضوح أن الاقتصاد دخل بالفعل مرحلة انتقالية جديدة. التقديرات الأولية تشير إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.8 % خلال الربع الأول من 2026، مقارنة بمستويات أعلى في الفترات الماضية، نتيجة تراجع النشاط النفطي وانخفاض حجم الإنتاج والصادرات خلال مارس. لكن القراءة التقليدية لهذه الأرقام قد تكون مضللة؛ لأن ما يتباطأ اليوم ليس الاقتصاد السعودي ككل، بل الاعتماد التاريخي على النفط كمحرك وحيد للنمو.
في المقابل، لا يزال القطاع غير النفطي يحتفظ بزخم واضح، مدعومًا بالإنفاق الحكومي الضخم والمشاريع الاستثمارية العملاقة والنشاط المتسارع في قطاعات السياحة والخدمات والتقنية والبنية التحتية والترفيه. وهذا التحول ربما يمثل أهم نقطة مفصلية في الاقتصاد السعودي الحديث؛ إذ بدأت المملكة تبني مصادر نمو متعددة قادرة تدريجيًا على امتصاص تقلبات النفط بدلًا من الارتهان الكامل لها.
الأكثر أهمية أن الاقتصاد السعودي بدأ يُظهر ملامح اقتصاد تقوده السوق المحلية وليس فقط الدولة أو النفط. بيانات الإنفاق الاستهلاكي الأخيرة كشفت عن ارتفاع سنوي تجاوز 15 %، مع نمو قوي في عمليات نقاط البيع والتجارة الإلكترونية، خصوصًا في قطاعات المطاعم والمقاهي والمجوهرات والاتصالات. هذه الأرقام لا تعكس فقط زيادة الإنفاق، بل تكشف عن تغير عميق في سلوك الاقتصاد والمجتمع معًا؛ فالسعودية تتحول تدريجيًا إلى اقتصاد استهلاكي وخدمي واسع، مدفوع بارتفاع معدلات التوظيف، وتحسن مستويات الدخل، واتساع الطبقة المتوسطة، والتوسع الكبير في قطاعات الترفيه والخدمات الحديثة.
لكن خلف هذه الصورة الإيجابية، تظهر تحديات مالية لا يمكن تجاهلها. فعجز الميزانية السعودية اتسع إلى نحو 126 مليار ريال خلال الربع الأول من العام، مع ارتفاع الإنفاق الحكومي بنسبة 20 % على أساس سنوي. هذا التوسع يعكس إصرار الدولة على مواصلة الإنفاق التحفيزي وتسريع مشاريع التحول الاقتصادي رغم التقلبات العالمية، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب التساؤلات حول استدامة هذا النموذج إذا تعرضت أسعار النفط مستقبلاً لضغوط حادة أو دخل الاقتصاد العالمي في مرحلة تباطؤ أعمق.
ومع ذلك، لا تزال السعودية تمتلك عناصر قوة يصعب تجاهلها. احتياطيات البنك المركزي من الموجودات الأجنبية ارتفعت إلى ما يقارب نصف تريليون دولار، فيما بقي التضخم عند مستويات منخفضة نسبيًا مقارنة بالاقتصادات الكبرى التي لا تزال تواجه ضغوطًا سعرية مرتفعة. هذه المؤشرات تعني أن المملكة لا تتحرك فقط بدافع الإنفاق، بل تستند أيضًا إلى قاعدة مالية ونقدية قوية تمنحها مساحة أوسع للمناورة مقارنة بكثير من الاقتصادات الناشئة.
أما سوق الأسهم السعودية، فقد أصبحت بدورها مرآة لهذا التحول الكبير. فرغم التذبذبات الأخيرة، لا يزال مؤشر «تاسي» مرتفعًا منذ بداية العام، مدعومًا بثقة المستثمرين في الاقتصاد المحلي واستمرار تدفقات السيولة والمشاريع العملاقة. لكن السوق في الوقت نفسه يعكس حالة ترقب حذرة مرتبطة بمستقبل أسعار الفائدة الأمريكية وأسواق النفط والتوترات الإقليمية، وهو ما يؤكد أن الاقتصاد السعودي أصبح أكثر اندماجًا وتأثرًا بالدورة المالية العالمية من أي وقت مضى.
إن السعودية اليوم لا تخوض معركة نمو اقتصادي تقليدية، بل تخوض سباقًا لإعادة تعريف موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد. الرهان الحقيقي لم يعد فقط على النفط أو حتى على المشاريع الضخمة، بل على قدرة المملكة على بناء اقتصاد مستدام تقوده الإنتاجية والتكنولوجيا والاستثمار والقطاع الخاص والطلب المحلي. وإذا نجحت المملكة في تحقيق هذا التحول، فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد مرحلة إصلاح اقتصادي، بل بداية ولادة مركز اقتصادي جديد يعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.