محمد بن عبدالله العمري
هناك لحظات في الحياة لا تُشبِه ما قبلها، لحظات تسقط فيها الأوهام دفعةً واحدة وتنكشف الأقنعة التي طالما أخفت وجوهاً لم نكن نتوقعها، حيث عشنا سنوات ونحن نرسم في عقولنا صوراً مثالية لأشخاص كنا نحسبهم عنواناً للنبل والاحترام والثقة، ونبني لهم مكانة لا تهتز، حتى يأتي الاختبار الحقيقي، ذلك الاختبار الذي لا يحتاج إلى وقت طويل، ولا إلى ظروف معقدة، بل يكفي موقف واحد في لحظة ضغط حياتي، أو قرارٍ معين، أو نشوةِ تطورْ، أو ترقيةً أو فوزاً أو منصبٌ جديد أو إنجاز تحقق بطريقة أو أخرى، وعندها تنكشف حقيقة ذلك الرجل أو الكيان بشكلٍ سلبي ومختلف بل ممكن يصل لمستوى متدن من الأخلاق! ونرى وجهاً آخر لم نألفه ونبرةِ لم نسمعها وتصرفاتٍ لا تُشبِه ذلك الشخص الذي كنا نظنه قدوة.
وهنا تبدأ الصدمة! أين ذلك (الرجل) الذي كان ينتقد فلان وفلان لأنه تغير وتنكر له ولغيره؟ أين ذلك الذي كان يقود (كيانا ما) بتوازنٍ واهتمام وصوتٌ حكيم كنا نصغي له بثقة ونُصغي لموقف كيانه وشخصه؟ أين ذلك الاتزان الذي كنا نظنه ثابتاً لا يتغير؟ أين؟ وأين؟ وأين؟ الأسئلة تتكرر، لكنها لا تجد إجابة سوى أن القناع انكشف، وبالتالي فالحقيقة مؤلمة والصورة الذهنية التي رسمناها كانت مُخادعة.
أخيراً أقول عندما تنكشف الأقنعة لا يسقط الشخص أو يسقط الكيان من أعيننا فقط، بل تسقطُ معه ثقتنا في مصداقيتهِ وتنهار تلك الهالة التي أحطناه بها! وهنا ندرك حينها أن الاحترام والتقدير والصورة الذهنية التي تُبنى على الظاهر فقط تكون هشةْ ومخادعة، وتؤكد أن المواقف هي الميزان الحقيقي للإنسان وليست الكلمات والانطباعات والعواطف فما تحت تلك الأقنعة يجعلنا نتساءل هل نحن المخطئون؟ لأننا وثقنا بذلك الشخص ثقةً عمياء؟ أم إنه كان مُمثلا بارعا نجح في إيجاد صورة ذهنية إيجابيهة في (البراح) «على حسب التعبير الشعبي».
لكن ورغم قسوة هذه اللحظات، فهي تحمل لنا ولغيرنا دروساً عميقة، تُعلمنا أن لا نُقدّس الأشخاص أو الكيانات، ولابد أن نُبقي مسافة واعية بين الإعجاب والحقيقة التي تُخفيها تلك الأقنعة، تعلمنا كذلك (أن نُقيّم الناس بأفعالهم وقت الشدة لا بظهورهم وقت الرخاء). فالأقنعة قد تدوم طويلاً لكنها لا تصمد أمام الحقيقة مهما تأخرت.
** **
- جدة