صبحي شبانة
لم يعد التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين مجرد تنافس اقتصادي تقليدي بين قوتين عظميين تتصارعان على الأسواق والنفوذ التجاري، بل تحول تدريجيًا إلى معركة شاملة لإعادة تشكيل النظام الدولي، تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن العسكري، في مشهد يعكس بوضوح أن العالم يقف على أعتاب مرحلة تاريخية مختلفة تمامًا عن تلك التي أعقبت نهاية الحرب الباردة.
فالولايات المتحدة، التي قادت العالم لعقود باعتبارها القوة المهيمنة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، باتت تنظر إلى الصعود الصيني باعتباره التهديد الأكبر لمكانتها الدولية، ليس فقط لأن بكين تمتلك اقتصادًا عملاقًا يتقدم بوتيرة متسارعة، بل لأنها نجحت خلال سنوات قليلة في بناء نموذج عالمي جديد يقوم على الاقتصاد والإنتاج والتكنولوجيا وربط المصالح الدولية، بعيدًا عن النموذج الأمريكي التقليدي القائم على الهيمنة العسكرية والتحالفات السياسية الصلبة.
وفي المقابل، تدرك الصين أن معركتها مع واشنطن لم تعد معركة رسوم جمركية أو نزاعات تجارية محدودة، بل أصبحت مواجهة طويلة المدى تتعلق بمستقبل قيادة العالم نفسه، وهو ما يفسر حالة الحذر الشديد التي تتعامل بها بكين مع التحركات الأمريكية، خصوصًا في المناطق المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن هنا جاءت الحرب الأمريكية على إيران لتكشف بوضوح حجم الترابط بين الجيوسياسي والجيواقتصادي في هذا الصراع المحتدم بين القوتين الأكبر في العالم، فالصين لا تنظر إلى ما يحدث في الخليج العربي باعتباره أزمة إقليمية تخص الولايات المتحدة وإيران فقط، وإنما تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها الاقتصادي والاستراتيجي، لأن استقرار الخليج بالنسبة لبكين ليس مسألة سياسية فحسب، بل قضية ترتبط ببقاء عجلة الاقتصاد الصيني في حالة دوران مستمرة.
الصين اليوم تُعد أكبر مستورد للطاقة في العالم، ويعتمد اقتصادها الصناعي العملاق بصورة كبيرة على النفط القادم من منطقة الخليج العربي، كما أن الجزء الأكبر من هذه الإمدادات يمر عبر ممرات بحرية شديدة الحساسية، تبدأ من مضيق هرمز وتعبر المحيط الهندي وصولًا إلى مضيق ملقا، ثم إلى الموانئ الصينية التي تغذي المصانع والمدن العملاقة ومراكز الإنتاج الحديثة، ولهذا فإن أي اضطراب في الخليج أو تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز لا يمثل مجرد أزمة طاقة بالنسبة للصين، بل يمثل تهديدًا مباشرًا لاقتصادها القومي وقدرتها على مواصلة النمو والمنافسة العالمية.
من جهتها تدرك الولايات المتحدة هذه الحقيقة جيدًا، وتفهم أن نقطة القوة الأكثر حساسية لدى الصين تكمن في اعتمادها الضخم على استيراد الطاقة والمواد الخام عبر الممرات البحرية الدولية، ولذلك أصبح التحكم في طرق التجارة والطاقة جزءًا أساسيًا من معركة النفوذ بين واشنطن وبكين.
ومن هنا يمكن فهم التصعيد الأمريكي في الخليج ضمن إطار أوسع من مجرد مواجهة مع إيران، إذ ترى الصين أن واشنطن تحاول إعادة الإمساك بمفاصل النظام الاقتصادي العالمي عبر الضغط على شرايين الطاقة والتجارة التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو النهج الذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر حدة ووضوحًا في التعامل مع المنافسة الصينية، فترامب ينطلق من رؤية تقوم على أن الولايات المتحدة تخسر تدريجيًا تفوقها الاقتصادي والصناعي لصالح الصين، وأن استعادة الهيمنة الأمريكية تتطلب استخدام كل أدوات الضغط الممكنة، سواء عبر الحروب التجارية أو العقوبات الاقتصادية أو إعادة توظيف القوة العسكرية والنفوذ الجيوسياسي، ولهذا جاءت سياسات الضغط على إيران، والتشدد في ملفات الطاقة والتجارة، ومحاولات إعادة رسم التحالفات الدولية، ضمن سياق أوسع يهدف إلى إبطاء التمدد الصيني وإجبار بكين على التحرك داخل قواعد اللعبة التي تفرضها واشنطن.
لكن الصين، في المقابل، لا تبدو مستعدة للانجرار إلى مواجهة مباشرة أو ردود فعل انفعالية، لأنها تدرك أن قوتها الحقيقية تكمن في النفس الطويل، وفي قدرتها على بناء نفوذ عالمي متدرج يعتمد على الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمارات العابرة للقارات، ولهذا اختارت بكين أن تتحرك وفق استراتيجية مختلفة تمامًا عن التهور الأمريكي.
فبينما تعتمد واشنطن على القوة العسكرية والضغوط السياسية، تركز الصين على بناء شبكات مصالح اقتصادية تجعل من الصعب على العالم الاستغناء عنها أو الدخول في مواجهة شاملة معها.
ومن هنا، جاءت مبادرة “الحزام والطريق” باعتبارها أحد أهم المشاريع الجيواقتصادية في العصر الحديث، إذ تسعى الصين من خلالها إلى إعادة رسم خرائط التجارة والطاقة والنقل العالمية، عبر ربط آسيا وإفريقيا وأوروبا بشبكة هائلة من الموانئ والطرق البرية وخطوط السكك الحديدية والمناطق الصناعية، هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى توسيع النفوذ الاقتصادي الصيني، بل تسعى أيضًا إلى تقليل اعتماد بكين على الممرات البحرية التي يمكن للولايات المتحدة تهديدها أو السيطرة عليها في أوقات الأزمات.
ولهذا توسعت الصين خلال السنوات الأخيرة في بناء حضور اقتصادي واستراتيجي في مناطق شديدة الحساسية، من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن المحيط الهندي إلى إفريقيا وآسيا الوسطى، في محاولة لتأمين خطوط التجارة والطاقة وحماية مصالحها طويلة المدى، لكن المشكلة أن هذا التمدد الصيني يتقاطع بصورة مباشرة مع المصالح الأمريكية التقليدية، وهو ما يجعل مناطق مثل الخليج العربي وتايوان وبحر الصين الجنوبي مرشحة للتحول إلى ساحات اشتباك غير مباشر بين القوتين العظميين، فالولايات المتحدة لا تريد أن ترى الصين وهي تتحول إلى القوة الاقتصادية الأولى عالميًا دون أن تدفع ثمنًا سياسيًا واستراتيجيًا لذلك، بينما ترى بكين أن واشنطن تستخدم الأزمات الإقليمية والتحالفات العسكرية والعقوبات الاقتصادية كأدوات لإبطاء صعودها ومنعها من الوصول إلى قمة النظام الدولي.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية، فالعالم لم يعد يعيش مرحلة “التنافس الطبيعي” بين قوتين اقتصاديتين، بل دخل مرحلة صراع على قيادة القرن الحادي والعشرين، حيث تتداخل الطاقة مع التكنولوجيا، والتجارة مع الأمن القومي، والممرات البحرية مع التوازنات العسكرية، كما أن أخطر ما في هذا الصراع أنه يجري في بيئة دولية مضطربة أصلًا، تعاني من أزمات اقتصادية متلاحقة، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وتصاعد لتوترات العسكرية، وارتفاع مستويات الاستقطاب السياسي بين القوى الكبرى.
ولذلك، فإن أي تصعيد في الخليج العربي لم يعد حدثًا محليًا أو إقليميًا محدود التأثير، بل أصبح ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
فالصين تخشى أن يؤدي استمرار التوتر إلى تهديد تدفق الطاقة التي يعتمد عليها اقتصادها، بينما تدرك الولايات المتحدة أن السيطرة على مفاتيح الطاقة والملاحة الدولية تمنحها أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة بكين.
وفي الوقت نفسه، تتحرك قوى إقليمية ودولية أخرى لمحاولة التكيف مع هذا التحول الكبير في موازين القوة، خصوصًا أن كثيرًا من الدول باتت تدرك أن العالم يتجه نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، لم تعد الولايات المتحدة فيه اللاعب الوحيد القادر على فرض إرادته بصورة مطلقة، لكن رغم ذلك ما زالت واشنطن تمتلك أدوات نفوذ هائلة، سواء من خلال قوتها العسكرية، أو سيطرتها على النظام المالي العالمي، أو نفوذها السياسي والتحالفي الواسع، أما الصين، فرغم صعودها الاقتصادي الكبير، فإنها ما زالت تواجه تحديات ضخمة تتعلق بأمن الطاقة، واعتمادها على التجارة البحرية، وحاجتها المستمرة إلى بيئة دولية مستقرة تسمح لها بمواصلة النمو.
ولهذا تبدو السنوات المقبلة مرشحة لمزيد من التنافس الحاد بين الطرفين، ليس فقط على الاقتصاد والأسواق، بل على شكل النظام العالمي نفسه، فالصراع الحقيقي لم يعد حول من يربح صفقة تجارية أو يحقق فائضًا اقتصاديًا أكبر، وإنما حول من يملك القدرة على قيادة العالم وصياغة قواعده الجديدة.
وفي قلب هذه المعركة الكبرى، يظل الخليج العربي أحد أهم مفاتيح الصراع، لأنه لا يمثل فقط خزان الطاقة الأكبر في العالم، بل يشكل أيضًا نقطة التقاء المصالح والتناقضات بين الشرق والغرب، وبين القوة الأمريكية التقليدية والطموح الصيني الصاعد، ولذلك فإن ما يحدث اليوم في المنطقة يتجاوز حدود الصراع الإقليمي، ليصبح جزءًا من معركة عالمية أوسع قد تحدد ملامح القرن الحادي والعشرين بأكمله.
العالم الآن أمام مرحلة شديدة الحساسية والخطورة والتعقيد؛ مرحلة تتراجع فيها لغة الشراكات الاقتصادية الهادئة لتحل محلها حسابات النفوذ والممرات البحرية وأمن الطاقة والتفوق التكنولوجي، ومع استمرار هذا التصعيد، يبدو واضحًا أن الصراع بين واشنطن وبكين لن يكون صراعًا عابرًا أو مؤقتًا، بل معركة طويلة لإعادة توزيع القوة في العالم، معركة قد لا تُحسم بالحروب التقليدية وحدها، بل بمن يملك الاقتصاد الأقوى، والطاقة الأكثر أمانًا، والنفوذ الأوسع، والقدرة الأكبر على التحكم في مستقبل التجارة العالمية والنظام الدولي القادم.