د. إبراهيم بن جلال فضلون
ليست زيارات الرؤساء إلى العواصم الكبرى مجرد مناسبات بروتوكولية تُرفع فيها الأعلام وتُعزف خلالها الموسيقى الرسمية، بل هي لحظات فاصلة يُعاد فيها رسم ميزان القوة العالمي. وهناك حكمة صينية تقول: «الإمبراطور الذي يربح كل المعارك، قد يخسر مملكته إذا أساء قراءة الزمن».
ومن هذا المنظور، تبدو زيارة الرئيس الأمريكي ترمب الأخيرة إلى بكين أكثر من مجرد قمة ثنائية؛ بل عاكسة لتحول عميق في طبيعة النظام الدولي، وانتقال تدريجي من أحادية الهيمنة الأمريكية إلى عالم تتقاسم فيه القوى الكبرى النفوذ والمصالح.
أولا: المدينة المحرمة: وصدق قول هيرقليطس: «لا يستطيع المرء أن يسبح في مياه النهر نفسه مرتين؛ لأن المياه تتجدد والمنخرط فيها يتغير»، فعندما زار ترمب الصين للمرة الأولى عام 2017، دخل بكين من بوابة «الضيف الإمبراطوري»، حينها، استقبلته الصين داخل المدينة المحرمة بحفاوة استثنائية، وقدمت له مشهداً سياسياً محسوباً بعناية، لأن بكين كانت تدرك أن الرجل القادم من عالم الصفقات يتأثر كثيراً بالرمزية والبهرجة السياسية هدفها البحث عن «صفقة كبرى» تبدأ بتجارة السلع وتنتهي بتوازنات آسيا، كونها وقت ذلك لا تزال تتحرك من موقع القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى عالمياً، فيما كانت الصين تواصل صعودها بهدوء وثقة.
ثانياً: العوار الأمريكي: لكن زيارة 2026 جاءت مختلفة تماماً. العالم تغيّر، وواشنطن نفسها لم تعد تلك القوة القادرة على فرض إيقاعها منفردة، لزيارة تأجلت مراراً بسبب عملية «الغضب الملحمي» (الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران)، فالحرب التجارية التي بدأها ترمب ضد الصين خلال ولايته الثانية تحولت إلى استنزاف اقتصادي متبادل، وارتفعت الرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات الصينية إلى 145 %، بينما ردّت بكين بخنق جزئي لسلاسل المعادن النادرة التي تعتمد عليها الصناعات الأمريكية المتقدمة، من الرقائق الإلكترونية إلى الصناعات العسكرية، ليكون توقيت يعاني فيه البيت الأبيض من «الانكشاف الاستراتيجي». ترمب اليوم لا يبحث عن صور تذكارية، بل يبحث عن «طوق نجاة» اقتصادي وسياسي يعيد فتح مضيق هرمز ويخفف حدة التضخم الذي ينهش شعبيته.
ثالثاً: الانهيار البيضاوي: إن الأرقام تثبت الانهيار البيضاوي وبوضوح أكبر من الخطابات السياسية، وإذا ألقينا نظرة على مختبر البيانات، سنجد أن السياسات الأمريكية الأخيرة أحدثت شروخاً عميقة في جدار الاقتصاد العالمي كذلك:
حمى الرسوم: ارتفعت التعريفات الجمركية تحت مسمى «يوم التحرير» إلى مستويات فلكية بلغت 145 % على الواردات الصينية، مما أدى إلى فقدان 89,000 وظيفة في الداخل الأمريكي وإغلاق 2800 منشأة صناعية متوسطة.
نزيف الشعبية: تعكس استطلاعات الرأي (سي إن إن) هذا الإخفاق؛ حيث هوى معدل تأييد ترمب من 48 % في فبراير 2025 إلى 35 % في مايو 2026، وهي أدنى مستويات الرضا الشعبي في تاريخه.
كلفة الوقود: أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز رداً على العمليات العسكرية إلى قفزة في أسعار البنزين الأمريكي لتتجاوز 4.50 دولارات للغالون، مما نقل معركة التضخم من أروقة البنوك إلى جيوب المواطنين.
رابعاً: من الفائز ومن الخاسر: وهنا تحديداً بدأت ملامح التحول الكبير. فبينما كانت واشنطن غارقة في حرب دمرتها، كانت بكين تتحرك بدبلوماسية باردة وهادئة، مستفيدة من أخطاء الإدارة الأمريكية ورئيسها المتهور:
الصين لم تدخل الحرب، ولم ترفع صوتها عسكرياً، لكنها نجحت في تقديم نفسها بوصفها «قوة استقرار» في عالم مضطرب، أدركت فيها أن القوة الحقيقية في القرن 21، لا تُقاس فقط بحجم حاملات الطائرات، بل بقدرة الدولة على إدارة الأزمات دون أن تُستنزف فيها. ولهذا جاءت خطة السلام الصينية كرسالة سياسية موجهة إلى العالم أكثر من كونها مبادرة إقليمية تخص الشرق الأوسط وحده وهي ذات نقاط أربع: (التعايش السلمي، واحترام السيادة، وسيادة القانون الدولي، والتوازن بين الأمن والتنمية). وكانت بكين بهم ضامن للاستقرار العالمي، ومستغلةً حاجة واشنطن لنفوذ بكين لدى طهران.
كما أن هناك فائز صامد وهي إيران، فرغم الضغوط، أثبتت طهران قدرتها على شل حركة التجارة العالمية عبر مضيق هرمز، مما أجبر واشنطن على الجلوس إلى طاولة المفاوضات في «غرفة صينية»، أما الخاسر الأكبر في هذه المرحلة، فلم يكن إيران ولا حتى أوروبا المنهكة اقتصادياً، بل المواطن الأمريكي وإدارته الشعبوية نفسها. فواشنطن دخلت مواجهة مفتوحة على أكثر من جبهة في وقت واحد؛ مع الصين اقتصادياً، ومع روسيا استراتيجياً، ومع إيران عسكرياً، بينما تعاني داخلياً من تضخم كبير وتراجع الثقة الشعبية لترامب وفق الاستطلاعات من 48 % مطلع 2025 إلى نحو 35 % بحلول منتصف 2026، في انعكاس مباشر لتداعيات الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة.
وهُنا لا ننسي القوى المتضررة (العمال والمستهلكون)، وهُم عمال «الياقات الزرقاء» الذين كانوا الوقود الانتخابي لترمب، باتوا الضحية الأولى لتقلبات سلاسل الإمداد وحروب الرسوم.
خامساً: الغطرسة والارتباك: إن سوء الإدارة الأمريكية ووقوعها في فخ «الغطرسة والارتباك» واعتمادها على فكرة تحالفاتها أو «القيادة الغربية الجماعية»، جعلها تقع بفخ «المقامرة العسكرية غير المحسوبة» من خلال منح «شيك على بياض» للتحركات الإسرائيلية في إيران، ظناً منها أن الحرب ستنتهي في أسابيع، فهذه السياسة أضعفت الثقة الأوروبية بالقرار الأمريكي، ودفعت قوى إقليمية عديدة إلى توسيع هوامشها بعيداً عن المظلة الأمريكية التقليدية..
في المقابل، خرجت الصين من المشهد بأقل الخسائر وأكثر المكاسب. فقد حافظت على علاقاتها مع إيران والخليج في الوقت ذاته، ووسّعت نفوذها الاقتصادي عبر مبادرة «الحزام والطريق»، كما نجحت في الظهور كقوة قادرة على الحوار مع الجميع دون أن تتحمل أعباء المواجهة العسكرية المباشرة، لكن ذلك لا يعني أنها حققت انتصاراً كاملاً. فقد لمستها العدوى الاقتصادية وضغوطاً مرتبطة بسوق العقارات والبطالة وتراجع الطلب العالمي فأي اضطراب طويل الأمد في النظام العالمي يربكها ككُل، ولهذا، فإن زيارة ترمب إلى بكين لم تكن زيارة منتصر إلى خصم متراجع، بل لقاء بين قوتين تدركان أن الصدام المباشر سيكون كارثياً على الجميع.
وأخيراً: الحرب الباردة الجديدة: وما بين الحاجة المتبادلة والتنافس الحاد، تتشكل الآن ملامح «الحرب الباردة الجديدة» ولكن بأدوات اقتصادية وتكنولوجية أكثر من كونها عسكرية. فلقد أدرك العالم أن الاعتماد على قطب واحد متقلب المزاج هو خطر داهم، وأن المستقبل يتشكل الآن في الشرق بحضور سعودي لامع ومصري متقرر، وهُما قوتان قادرتان على المناورة الهادئة وإدارة المصالح دون الانجرار إلى مغامرات مكلفة. أما الخاسر الأكبر، فهو النظام الدولي نفسه، الذي بات يعيش حالة غير مسبوقة من السيولة السياسية وتراجع اليقين الإستراتيجي.
وقفة: «القوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحرب، بل في الحكمة التي تمنع اندلاعها».. وهي حكمة أمريكية قديمة تبدو أكثر صدقاً من كثير من الخطب السياسية، فالدول العظمى لا تسقط دائماً بسبب قوة خصومها، بل كثيراً ما تتآكل من الداخل حين تسيء إدارة قوتها، وتخلط بين النفوذ والهيمنة، وبين القيادة والاندفاع.