رسيني الرسيني
كتبت في المقالة السابقة عن ماذا حقق صندوق الاستثمارات العامة في الفترة الماضية، إذ لم تعد الصناديق الاستثمارية تقاس بقدرتها على تحقيق العوائد فحسب، بل بمدى تأثيرها في إعادة تشكيل المنظومات الاقتصادية.
أما في هذه المقالة سأحاول تلخيص إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026-2030 التي تأتي امتدادًا طبيعيًا لمسار التحول الذي تقوده رؤية 2030، لتنتقل بالصندوق من مرحلة التوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر. وفي ظل اقتصاد عالمي يتسم بالتقلب والتنافسية، يصبح الدور الاستثماري أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الأهداف المالية مع الأهداف التنموية وتتطلب توازنًا دقيقًا بين النمو والاستدامة، ومن هنا يجب الاطلاع على إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة.
ترتكز إستراتيجية الصندوق على سبعة محاور رئيسية تعكس نضج الدور المؤسسي للصندوق. فهي تسعى إلى تمكين الاقتصاد المحلي من خلال استثمارات نوعية تحفز القطاعات المختلفة، إلى جانب إدارة الأصول بكفاءة لتعظيم قيمتها. كما تركز على تحقيق عوائد طويلة الأجل معدلة حسب المخاطر، بما يعزز الاستدامة المالية. وتعمل على تنويع مصادر التمويل لدعم النمو المستقبلي، وتعزيز التكامل بين المحافظ الاستثمارية لتحقيق قيمة مضافة أعلى. كذلك، تولي أهمية لتعظيم الأثر الاقتصادي عبر تطوير سلاسل القيمة والتعاون مع القطاعين العام والخاص. ولا تغفل الإستراتيجية عن تطوير الكفاءة المؤسسية من خلال تحسين الإنفاق وتبني التقنيات الحديثة، خصوصًا الذكاء الاصطناعي المدعوم بالبيانات.
أما عن آلية توزيع محافظ الصندوق، فقد وزعت على ثلاث محافظ رئيسية صُممت لتعزيز كفاءة توجيه رأس المال وتعظيم الأثر الاقتصادي طويل الأجل، إذ تتمثل الأولى في «محفظة الرؤية» التي تركز على بناء منظومات اقتصادية متكاملة في قطاعات ذات أولوية، تشمل السياحة والترفيه، والتطوير الحضري، والصناعات المتقدمة، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للطاقة والمياه، إضافة إلى منظومة نيوم، بما يعزز الشراكة مع القطاع الخاص ويجذب الاستثمارات الدولية.
في حين تهدف المحفظة الثانية «محفظة الاستثمارات الإستراتيجية» إلى تعظيم قيمة الأصول وتحويل شركات الصندوق إلى كيانات عالمية تنافسية.
أما المحفظة الثالثة «محفظة الاستثمارات المالية» تهدف إلى تنمية العوائد المالية عبر تنويع الاستثمارات العالمية وبناء شراكات إستراتيجية تدعم الاستدامة المالية للصندوق.
تعكس هذه الهيكلة الاستثمارية تحولًا متقدمًا في فلسفة إدارة الثروة السيادية، حيث لم يعد الهدف مقتصرًا على تحقيق العوائد المالية، بل أصبح يرتبط بصناعة منظومات اقتصادية قادرة على خلق أثر ممتد وعميق داخل الاقتصاد المحلي. فتكامل المحافظ الاستثمارية يتيح توجيه رأس المال نحو قطاعات مترابطة تعزز سلاسل القيمة وترفع مستويات الإنتاجية والتنافسية. كما أن التركيز على القطاعات المستقبلية والبنية التحتية والطاقة النظيفة يعكس قراءة استباقية للتحولات العالمية في الاقتصاد والاستثمار. وفي الوقت ذاته، فإن تنويع الاستثمارات والشراكات الدولية يعزز مرونة الصندوق وقدرته على مواجهة التقلبات الاقتصادية.
حسنًا، ثم ماذا؟
لم يعد الصندوق مستثمرا سياديا تقليديا، وإنما منصة اقتصادية تسهم في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد السعودي وتعزز استدامة نموه على المدى الطويل.