أ.د. يحيى بن محمد شيخ أبو الخير
يٌرجِعٌ البعض نجاح التعليم عن بُعدٍ (Distant learning) إلى الأزمات الظرفية الطارئة كتلك التي ارتبطت في السنوات القليلة الماضية مثلاً بجائحة كورونا متناسين أن المدى الزمني لتلك الجائحة يطول ويقصر تبعاً للعديد من المتغيرات كطبيعة الجائحة وحدتها وردود الأفعال البشرية لتلك الحدة، ومتانة البنى التحتية الصحية والاقتصادية والتقنية.
وبناء على ذلك، فليس من المنطق بمكان إذاً الحكم بأفضلية التعليم عن بعد على غيره من نظم التعليم الأخرى كالحضوري المطلق (Face to Face Learning) والرقمي بشقيه الإندماجي «Blended learning» والتزامني الهجين Learning» «Hybrid لمجرد استعانة المؤسسات التعليمية بذلك النظام خلال جائحة كورونا أو ما ناظرها من الأزمات والكوارث.
وتأكيدا لذلك المنطق الآنف الذكر، لا تُعَدُّ الاستعانة الطارئة بنظام التعليم عن بعد لوحده منفرداً، وفقاً لبعض مراكز البحوث التربوية ودور الخبرة التعليمية في العالم، برهانا على تفوق ذلك النظام أو دليلا لتبرير تطبيقه بشكل مستدام أو مؤقت من غير مستند تربوي منطقي مقنع وتأصيل منهجي معرفي مقننٍ. ويدعم الاستنتاج السالف الذكر عودة العديد من الجامعات في العالم وخاصة الأمريكية منها تحديداً، رغم تطورها التقني، إلى النظام الحضوري بشكل كامل فور انتهاء جائحة كورونا.
وفي حال احتياج بعض الجامعات تطبيق التعليم عن بعد مؤقتاً لظروف طارئة فيسمح بتوظيفه في تدريس بعض المقررات النظرية المساق التي تختار بعناية من برامج التعليم العالي فحسب. أما التخصصات الطبية والمختبرية، والتدريبية الهندسية، والجغرافية المعملية الميدانية الطبيعية والسسيو-إنسانية المسحية، والتربية الرياضية، والفنون التطبيقية وما شابهها وانضاف اليها فهي خطوط حمراء لا يسمح لأنظمة التعليم عن بعد تجاوزها.
ولإنجاح التوظيف المؤقت لنظام التعليم عن بعد خلال الظروف الطارئة، تقوم بعض الجامعات في العالم وخاصة الأمريكية منها تحديداً بحوكمته تنفيذياً في أضيق الحدود وفق نسب مئوية مجالية ضئيلة نسبياً وقوانين رقابية صارمة. ولا تنسى تلك الجامعات أن تأخذ في الاعتبار عند التطبيق المؤقت للتعليم عن بعد المعدلات الحدية المعيارية الدنيا التي توظف في التمييز الكميِّ بين الأزمات الظرفية والاختيار التربوي لأنظمة التعليم ذات العلاقة بتلك الحالات. كما تَستَخدِمُ بعض الجامعات المعنية تلك المعدلات كمعايير راجحة للتفريق بين الحل المرتبط بالحالات الطارئة من ناحية، والأنموذج التربوي المعياري المستدام الذي يتم في ضوئه الاختيار الأنسب للأنظمة التعليمية البديلة للتعليم المطلق عن بعد.
لعله من الضروري التنويه في هذه المرحلة من السرد إلى أن خلافي في هذا المقال مع مؤيدي التعليم عن بعد لا يكمن في حقيقة الأمر في مدى فاعلية هذا النظام في حد ذاته وخاصة عندما يتوفر له القدر الكافي من تحقق شروط توظيفه وانتفاء موانع تطبيقه الآنفة الذكر، وإنما يتركز خلافي تحديداً حول اعتقاد البعض بصلاحية هذا النظام من التعليم كحلٍ شاملٍ للعديد من التخصصات الجامعية أو وبديلٍ في الآن نفسه عن أنظمتها التعليمية الحضورية المطلقة أو الرقمية الإندماجية التزامنية الهجينة أو تطبيقاتها الغامرة تقنياً «Immersive learning» على حد سواء.
ويعد اعتقاد أولئك المؤيدين للتعليم عن بعد المطلق المساق غير عادل من وجهة نظري في حق التخصصات الإنسانية التطبيقية ومساراتها المساندة عملياً وميدانياً، ناهيك عن التخصصات العملية التي تعتمد برامجها على التدريب المختبري والجهد البحثي العملي والتطبيقي التقني المرموق والميداني الرصدي المسحي والمختبري الدقيق. فالمحاكاة الرقمية «Numerical Simulation» والمختبرات الافتراضية «Virtual Lab» والمعززة «Augmented Reality» التي ينادى بها مؤيدو تدريس التعلم الغامر عن بعد لا يمكنها، بأي حال من الأحوال، أن تنقل الخبرة الحسية الكاملة، ولا أن تُنمّي المهارات اليدوية الدقيقة كما يفعل التدريب الميداني أو العمل المختبري الحضوري، أو حتى أن تُدَرِّب الدارسين على التعامل مع الأخطاء الواقعية غير المتوقعة، وخاصة في التخصصات الطبية والهندسية والعلوم الكيميائية والفيزيائية التطبيقية التي ترتبط علمياً بمختلف أنواع المختبرات.
فعلى الرغم من استيعاب التعليم عن بعد إلى حد ما لبعض تقنيات التعلم المعاصرة، إلا أنه يكرس في ثنايا ذلك الاستيعاب الانسلاخ المستدام من مقومات التعليم الحضوري المباشر المبني عبر التاريخ على القيم والمثل والمبادئ التي تعزز شموخ المشيخة، وتبني الهامات والقدوات السامقة التي من غير الممكن للتعليم عن بعد تحقيقها بنية وسلوكاً البتة. (وللمزيد من المعلومات في القضايا الآنفة الذكر وما يليها من أطروحات في السرد أدناه، يمكن العودة إلى مقالي الموسوم «التعليم عن بعد: قراءة مرجعية» المنشور بتاريخ 18-4-2026م في صحيفة إشراقة التي تصدرها كليات الشرق العربي بالرياض).
على الرغم من أن بعض الجامعات الأمريكية الرائدة مثل هارفارد وأكسفورد وأهايو الحكومية وسفولك وإلون وما ناظرها من الجامعات المرموقة الأخرى في العالم تضطر خلال ظروف حرجة طارئة ماسة توظيف أنظمة تعليمية عن بعد، أو تتبنى تطبيقات تقنية غامرة ثلاثية الأبعاد مقرونة في الأغلب الاعم بأنظمة رقمية هجينة متزامنة او اندماجية، إلا أنها لا تسمح، كما أسلفت، بتدريس المقررات ذات العلاقة بالمساقات المختبرية والميدانية الرصدية المسحية النزعة عن بعد. ويرجع السبب في ذلك إلى وعي تلك المؤسسات التعليمية بإشكاليات التدريس عن بعد وما ناظره من ناحية، وإدراكها الحصيف بمآلاته الجسيمة التي نجمت ولا تزال تنجم عنها سلبيات جسيمة وتحديات بنيوية واجرائية معقدة من ناحية أخرى.
ولعل من أهم التحديات التي رصدتها مؤسسات التعليم العالي في العالم، الفجوة الرقمية التي يسببها عدم تكافؤ فرص وصول الدارسين إلى التقنية من ناحية، إضافة إلى ما تسببه تلك الفجوة من ضعف التحصيل المعرفي وتعزيز الإرهاق النفسي والإحباط المعنوي الذي يصيب الدارسين من ناحية أخرى. ولا شك أن عدم تكافؤ وصول المتعلم إلى الإنترنت والأجهزة ذات العلاقة في بعض الدول يعد من أكثر التحديات الإجرائية المؤثرة سلباً في جودة التعليم مما يجعل التعليم عن بعد في تلك الدول خيارًا تعليمياً غير عادلٍ تربويًا (أبو الخير، 2026م مرجع سابق).
أما في الدول التي لا تعاني من تلك الفجوة، فيلاحظ على الدارسين عبر التعليم عن بعد أيضاً ضعف استيعابهم للحصائل المعرفية نتيجة مكوثهم الممل أمام شاشات التعليم عن بعد لساعات طويلة إضافة إلى ما ينجم عن ذلك المكوث من مخاطر عديدة تتمثل في عزلة الدارسين النفسية، وضعف تفاعلهم الاجتماعي، فضلا عن تدهور تكوينهم الوجداني الذي يعد من أهم مقومات بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم التواصلية والحوارية والقيادية.
بالإضافة إلى التحديات الناجمة عن التعليم عن بعد الآنفة الذكر، فهناك سلبيات أخرى تُضَخِّمُ، حسب أبو الخير 2026م، حجم التحديات المتعلقة بهذا النظام من التعليم عن بعد كضعف الانضباط، وقلة التحفيز الذاتي، ومحدودية ضبط النزاهة الأكاديمية، وشيوع الغش في الاختبارات حتى مع توفر أنظمة المراقبة الذكية، واعتماد الدارسين ربما في مثل هذه الحالات أحياناً على مصادر خارجية اثناء أداء الاختبارات.
ولا شك أن هذا الأمر يمس بطبيعة الحال جودة المخرجات التعليمية خصوصاٌ في المهن التي ترتبط بسلامة الإنسان كالطب والصيدلة والأحياء والهندسة ونحوها. كما قد يترتب على ذات الأمر تشكيك بعض أصحاب العمل في مصداقية التعليم وجودة مخرجاته مما يؤثر سلباً في نفسية الدارس، ويهز ثقته بنفسه وبقدراته العلمية وبمستوى المسئولية المنوطة به أو التي قد تناط به مستقبلاً. وبناء على ما سبق، يتضح أن ما يعرف بمزايا التعليم عن بعد كالمرونة، وتوفير الوقت، وتقليل التكلفة وتعميق التخصصية التقنية وما شابهها وانضاف اليها لا يمكن أن ترقي إلى مستوى مزايا التعليم الحضوري والهجين الرقمي اللذين يعدان من حيث المبدأ أساساً متيناً للتحصيل العلمي السليم، وطريقاً مضيئاً لتنمية الموارد البشرية الفاعلة في أقطار الأرض واصقاعها. فقد أثبتت الوقائع المقيسة والدراسات المسحية العلمية والتربوية الممنهجة أن للتعليم الحضوري الذي يقترن تدريساً بالأنظمة التعليمية التزامنية والاندماجية الهجينة الرقمية، مزايا تعزز التفاعل المباشر الفوري بين المعلمين والطلاب، وتنمي المهارات الشخصية الحوارية والاجتماعية مما يجعل التحصيل العلمي تجربة معرفية ثرية ماتعة. كما يرسخ التعليم الحضوري الانضباط الذاتي عبر جدول دراسي منظم يعزز المسئولية الفردية والجماعية، ويبلور الالتزام الفردي والجمعي المؤسسي، ويغرس السمات القيادية لدي الدارسين عبر مختلف فرص الاقتداء الفاعلة إنسانياً (أبو الخير 2026م مرجع سابق). وإضافة إلى كل ذلك، يُمَكِّنُ التعليم الحضوري الدارسين من الاستفادة الفورية المباشرة من مرافق المؤسسات التعليمية كالمجمعات السكنية الطلابية، والمكتبات، والمختبرات، ووحدات التدريب العملي، ومراكز النشاطات الطلابية الثقافية والرياضية والفنية التي توفر بيئات طلابية لا صفية نشطة تدعم التعلم، وتبلور المهارات الذاتية، وتبني الصداقات المستدامة، وترسخ الانتماء القويم للعلم والمعرفة والبحوث التفاعلية الجادة نظرياً وتطبيقياً (أنظر أبو الخير 2026م مرجع سابق).
وفي ختام هذا المقال لا بد من الإشارة إلى أن أبرز مقدرات التعليم الحضوري وإيجابياته غير المعلنة هي كفاءة استيعابه لمختلف التقنيات التعليمية الحديثة الغامرة الافتراضية والمعززة والمحاكاتية والحضورية بشقيها الرقمي المدمج والمتزامن الهجين اللذين يحققان بيئات صفية تفاعلية مباشرة ماتعة إنسانياً مقارنة بالتعليم عن بعد المطلق الانطوائي النزعة تعليمياً.