اللواء الركن م. سلامة بن هذال بن سعيدان
إن ما يروج له البعض بشأن سوق العمل وعدم الحاجة إلى بعض العلوم الإنسانية نتيجة لسيطرة العلوم التطبيقية المعاصرة والتخصصات النادرة والتقنيات المتطورة لا يبرر ذلك التقليل من شأن العلوم الإنسانية وتهميش دورها الإنساني وتجاهل قيمتها الثقافية ومكانتها الاجتماعية والوطنية باعتبارها تشكل المرجعية لمختلف العلوم من جانب، وتكملة للعلوم التطبيقية من الجانب الآخر.
فالعلوم الإنسانية في الإسلام ذات مرجعية دينية تنطلق من الثوابت والمرجعيات الدينية وتربط بين النقل والعقل، وتجمع بين العلم والفضائل الأخلاقية والقيم الروحية في صورة متكاملة يُدار فيها العقل بالدين، سعياً إلى ما فيه صلاح الفرد والمجتمع وسعادة الدنيا والآخرة.
وينبغي أن لا يغرب عن البال أن عناصر القوة الوطنية للدولة تتكون من العنصر الثقافي والعلمي والعنصر الأمني والعنصر الاقتصادي والعنصر السياسي، والعنصر الأول بشقيه الثقافي والعلمي يشتمل على العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية والتكنولوجية وما في حكمها، وبدون الشق الإنساني يفقد الشق العلمي فاعليته وتأثيره المطلوب حيث إن التخصص المهني في جميع المجالات لا تكتمل فاعليته ويرقى إلى درجة الاحتراف إلا بوجود العلوم الإنسانية التي تشكل منطلقاً وإطاراً للعلوم الأخرى بوصف التخصصات المهنية في أشد الحاجة إلى قاعدة فكرية تنطلق منها وإطار معرفي يؤطرها.
ومنطق الإنسانيات يعتبر منطقاً مركباً يجمع بين النظرة الإبداعية والفلسفية والنظرة العقلية على هيئة معرفة ثقافية يلتقي فيها الجانب الإنساني بالجوانب العلمية والمهنية باعتبار المعرفة الدينية والإنسانية هي الجسر الذي يتم الوصول من خلاله إلى المعرفة العلمية ذات الطابع التخصصي والمهني. والمتخصص في علم من العلوم مهما أجاده وتفرغ له وذهب بعيداً في معرفة خفاياه وحيثياته النظرية والعملية لن يتمكن من احتراف المهنة ومبايعة النفس في سبيلها، ما لم يؤطر ذلك بعلوم إنسانية تزيد من رصيده المعرفي وتوثق عملية انتمائه وعلاقته مع الآخرين.
والعلوم بمثابة معارف تتطور مع مرور الزمان بما يواكب حاجات الإنسان ويتكيف مع ظروف المكان، وإلى جانب الاختصاص لا غنى عن الإحاطة الثقافية بسائر العلوم، وهنا تبرز العلوم الإنسانية والأدبية التي تركز على الإنسان من حيث الفهم والسلوك والثقافة والهوية الشخصية والاجتماعية والمهارات المختلفة ومجال اهتماماته ومتطلبات حياته المتمثلة في اللغة والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاتصال والجغرافيا.
وتعلم اللغة وأسرارها هو المدخل للخوض في أنواع المعرفة وأصناف العلوم والربط بين ذلك وبين الصفات الخلقية والهوية الوطنية للإنسان وثقافته وانتماءاته بالشكل الذي يؤكد أهمية اللغة ومحورية تأثيرها الثقافي والوطني على سوق العمل.
والمنهج التاريخي يعتمد على دراسة واقع واحداث الماضي وتحليلها وتفسيرها في سياقها وتطورها، والربط بين الماضي والحاضر يمهد الطريق إلى المستقبل مما يتطلب استعادة ذكريات الماضي والاستفادة من الحاضر والتطلع إلى المستقبل، وتاريخ الأمة هو الذي يوثق أخبارها ويرسم مسارها ويفتح الطريق أمامها إلى الاستقرار والازدهار والاستمرار.
وعلم الاجتماع يهتم بدراسة سلوك الأفراد والمجتمعات باستخدام أساليب علمية وبحثية لفهم طريقة تطور المجتمع، متوسلا بوسائل ميدانية ومناهج إحصائية مع مقارنة أوجه التشابه والاختلاف بين الظواهر الاجتماعية وتحديد أسباب ذلك عن طريق المقارنات البحثية والتحليلية.
وعادة ما يُستدل على قوة الدولة من موقعها الجغرافي والهيئات الجغرافية والطبوغرافية التي تتحكم في هذا الموقع، الامر الذي يتطلب من أصحاب الشأن الاهتمام بالمعالم الأرضية والمحافظة على جغرافية الدولة وطبيعة أرضها والتعمق في معرفة عوامل قوتها ومصادر ثروتها للاستفادة من خيراتها وصيانة ثرواتها وحماية حدودها والدفاع عنها مع تهيئتها لمواجهة الأزمات والتهديدات الخارجية، عملاً بالمأثورة العسكرية التي تقول: دع الأرض تقاتل معك وتدافع عنك. والعلوم الإنسانية بالنسبة لسوق العمل تعادل في أهميتها العلوم التطبيقية لكونها تؤدي دوراً محورياً في تشكيل فكر الإنسان وتعمل على تهيئته للتعامل مع مختلف العلوم الطبيعية والتطبيقية، كما تحتل مكانة مهمة في المهن التي تستدعي فهم الإنسان والمجتمع، وذلك على الرغم من تحديات العصر المتمثلة في التخصص التكنولوجي والتقني والمهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاعتقاد السائد بأن العلوم الإنسانية أقل طلباً في سوق العمل.
وفي سبيل التكيف مع سوق العمل ونظام الرقمنة والذكاء الاصطناعي لا مناص من الحد من التخصصات المختلفة وبالتحديد التخصصات الإنسانية والتقليل من الفرص الوظيفية دون أن يؤثر ذلك على محتوى التعليم الجامعي حيث إن الجامعة في مفهومها الجامع لابد أن تشتمل مناهجها التعليمية على مختلف العلوم الإنسانية والطبيعية والتخصصات العلمية بجوانبها النظرية والعملية مع الاخذ في الحسبان الترتيب النسبي للأولويات والاهتمامات والتمييز بين الثوابت والمتغيرات على النحو الذي ينسجم مع متطلبات العصر ويخدم الرسالة الجامعية والأهداف الوطنية.