د. سامي بن عبدالله الدبيخي
ثمة سؤال بدا للوهلة الأولى أكاديمياً بارداً، لكنه في جوهره شديد الجرأة وبالغ الأثر: هل الأدوات التي نستخدمها لقياس جودة شوارعنا وحيويتها العمرانية تعكس حياتنا فعلاً، أم أننا منذ عقود نقيس أنفسنا بمسطرة لم نصنعها ولم تُصنع لنا؟ هذا هو السؤال الذي انطلق منه باحثان من قسم التخطيط العمراني بجامعة الملك سعود، سامي الدبيخي وطاهر لدرع، في دراسة محكّمة موسومة: Resident-Centred Metrics for Street Vitality: Validating a Riyadh Framework under Hot-Arid Conditions ونُشرت مؤخراً في مجلة Buildings المصنّفة ضمن الربع العلمي الأول Q1 وهي من أعلى درجات الاعتراف بجودة البحث العلمي.
ولم يكتفِ الباحثان بقراءة الشارع من نافذة مكيّفة، بل نزلا إلى واقع تسعة عشر حياً سكنياً في الرياض، وتحدثا إلى 1102 ساكن، وراقبا 133 قطاعاً من الشوارع، ثم حلّلا الصور الجوية ومعطيات الخرائط الرقمية. من هذا الحقل الواسع نبتت أداة قياس لم تُستعَر من الغرب، بل شُيِّدت من مواد محلية خالصة: مناخ الرياض، ثقافة المجالس، التنقل الأسري، والزمن الحراري الحقيقي الذي يعيشه سكان المدينة.
وحين أفصحت الأرقام عن نفسها، كانت صريحةً لا تحتاج إلى تفسير. حين يُسأل السكان عن المساحات الخضراء وعن التشجير في شوارعهم، يمنحونها أدنى تقييم من بين كل عناصر البيئة المحيطة. ليس لأنهم لا يحبون الخضرة أو لا يقدّرون الشجرة، بل لأن الظل في مدينة تتجاوز حرارتها 45 درجة مئوية ليس رفاهية جمالية، بل هو الشرط الأولي لمجرد الخروج من المنزل. ما يسمّيه الباحثان «العجز في البنية التحتية الحرارية» ليس قصوراً تجميلياً، إنه ثغرة هيكلية في قابلية المدينة للعيش.
والأكثر دهشةً أن العامل الأعظم في رضا السكان عن البيئة السكنية لأحيائهم لم يكن نظافة الشارع ولا الرصيف الأنيق ولا الواجهة الجميلة، بل قرب الخدمات اليومية: المدرسة والمستوصف والمسجد والبقالة على مسافة المشي. قيمة هذا العامل في النموذج الإحصائي كانت ضعفي قيمة جودة الرصيف والتصميم العمراني مجتمعَين. هذا ليس رأياً ولا نظرية، هذا ما قاله سكان الرياض بصوتٍ مباشر وبيانات قابلة للقياس.
ولا تنتهي المفاجآت عند هذا الحد. ففي مفارقة غريبة، وُجد أن ثُلثي السكان يمشون في شوارع أحيائهم، لكن ثلاثة أرباعهم يركبون السيارة للتسوق من المحل المجاور. المشاة موجودون في الشارع، لكنهم يتنزهون ولا يتنقلون. يمشون حين تميل الشمس للغروب، ويعودون إلى السيارة حين تستدعي الحاجة لقضاء أبسط الأمور. الشارع يحتضن اجتماع الناس، لكنه لا يزال يفشل في خدمة تنقلهم اليومي.
هنا تكمن الرسالة الكبرى لهذا البحث، وهي رسالة موجّهة لكل مخطط ومسؤول في مدن المملكة والخليج. إن الاستثمارات الضخمة التي تُضخ في تطوير الشوارع وتصميمها وتهيئة الأرصفة وتشجيرها، لا ينبغي أن يُقاس نجاحها بمعايير مستوردة من نيويورك، لندن، باريس، أو كوبنهاغن. هذه المدن لا تعرف ما معنى أن تخرج في ظهيرة أشهر الصيف فتتلظى بلهيب لا يرحم. أدوات القياس الغربية تفترض أن الناس يخرجون للتجول في الشوارع نهاراً، لكن على العكس منهم، فإن شوارع الرياض تنبض حياة وتضج حيوية بعد أن تميل شمسها إلى الغروب. لهذا قبل أن تبني، اسأل من يسكن. وقبل أن تقيس، تأكد أن المسطرة مصنوعة من نفس الشمس التي تعيش تحتها.