م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - يصف (ابن خلدون) التأريخ بأنه: «من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتُشد إليها الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفتها السوقة والأغفال، وتتنافس فيها الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمها العلماء والجهال.. وهو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل».
2 - ويرى (أسد رستم) مؤسس علم التاريخ العربي المعاصر أن: التاريخ مزيج من العلم والأدب والفن.. كما يرى أن علم التاريخ لا يُدَرَّس مستقلاً عن سائر العلوم والمعارف.. فكلها علوم مساعدة للمؤرِّخ للقيام بمهمته ومنها اللغات، وفقه اللغة، والثقافات، والخطوط، والوثائق، وطبائع البشر، والجغرافيا التي ترتبط بمسرح التاريخ وهي الأرض، حيث تجري أحداث التاريخ.
3 - المؤرِّخ هو شاهد يمكن أن يكون شاهد حق أو أن يكون شاهد زور.. والشاهد هو في الأصل إنسان ينطلق في شهادته من مكونات نفسه ومميزاتها وطبائعها والبيئة التي تربى فيها والعصر الذي يعيش فيه والمعطيات التي تحيط به.. وإذا كان التاريخ وقائع وأحداثاً فإن المؤرِّخ هو جامع تلك الوقائع والأحداث ومحللها ودارسها ومفسرها.. وهنا يقع التاريخ تحت رحمة مبضع المؤرِّخ وقدراته وكفاءاته ورغباته وأهوائه، والهموم التي يكتب تحت ظلها، والضغوط التي تمارس عليه، والفكر والثقافة التي ينطلق منها، والأهداف المنشودة من كتابة ذلك التاريخ، والآمال المبتغاة منه.
4 - المؤرِّخون حينما يقعون ضحية أكاذيب الكاذبين وأخطاء الجاهلين وأوهام النقلة غير المحققين، مكتفين بشيوعها بين العامة وترديد الخاصة لها لأنها تخدم أجنداتهم.. فإنهم يصبحون ضحية الأحكام المتسرِّعة، والانطباعات العامة عن الأشخاص والأحداث والمواقف والنتائج، حتى تصير مُسلَّمة من المسَلَّمات في أذهانهم غير قابلة للتحليل أو التفكيك أو الجُرح أو التعديل، مهما تراكم على تلك المسلَّمة من أقوال أو تفسيرات أو تأويلات مختلفة متضاربة متضادة، اختفت تحت ركامها الحقيقة الواقعة وبرزت الحقيقة المتخيلة.
5 - المؤرِّخ مهما كان موقعه ووزنه يظل صاحب مصالح ومخاوف.. وإذا عرفنا أن مؤرِّخاً عملاقاً (كالطبري) يموت فيُدْفن في بيته خشية هجوم الرعاع الهائجين عليه، الذين أجج عواطفهم فكر سائد مهيمن في تلك المرحلة، فإن المؤرِّخ يكون بين مطرقة السلطان وسندان مجتمع يعيش الوهم، أما الحقيقة فهي تنتظر من يخرجها من تحت التراب.. لذلك فالمجتهدون في البحث عن الحقيقة منبوذون في مجتمعاتهم إن لم يقولوا بقولهم، وبالتالي يصف كثير من المفكرين المؤرِّخين بأنهم المعذبون في الثقافات الإنسانية.. والدليل أن جل المؤرِّخين الكبار إما تم سجنهم أو اغتيالهم أو مطاردتهم.
6 - المؤرِّخ هو الذي يقرأ التاريخ فيولِّد منه المعاني الجديدة، ولا يعيد تلاوة التاريخ بعَجْره وبجره، يردده كالببغاوات بكل شوائبه وأخطائه وتخيلاته وعصبياته الطائفية.