د. منصور بن حلمي المطيري
تُعد الإبل جزءاً أصيلا ًمن الهوية السعودية ورمزاً ثقافياً واقتصادياً مهماً وركيزة أساسية في تأسيس الدولة السعودية، وقد عزز هذا الدور إعلان الأمم المتحدة لعام 2024 عاماً دولياً للإبل تقديراً لأهميتها. وتمتلك المملكة أكثر من مليوني رأس (2.200000) من الإبل، مما يجعلها من الدول الرائدة في تربية الإبل. وتحتل السعودية المرتبة السابعة عالمياً في إنتاج حليب الإبل، بإنتاج يصل إلى 918,274 طناً سنوياً من الحليب الخام. ويتميز حليب الإبل بقيمته الغذائية العالية، إذ يحتوي على فيتامينات ومعادن وبروتينات، بما في ذلك البروتين الشبيه بالأنسولين.
في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالأغذية ذات القيمة الصحية، يبرز حليب الإبل كأحد أهم المنتجات التي أعادت الأبحاث العلمية اكتشاف خصائصه الغذائية والدوائية الفريدة، تجعله يتجاوز دوره التقليدي كغذاء في البيئات الصحراوية ليصبح عنصراً واعداً في منظومة التغذية. حيث يتميز حليب الإبل بتركيب غني بالبروتينات وخالٍ من البروتين المسبب للحساسية، ما يجعله خياراً آمناً للأطفال والبالغين الذين يعانون من حساسية الحليب، إضافة إلى احتوائه على نسب مرتفعة من فيتامين C تفوق أنواع الحليب الأخرى بثلاثة إلى خمسة أضعاف، إضافة إلى العناصر المعدنية (الحديد والزنك والنحاس) الأساسية في مكافحة الأنيميا ودعم النمو والصحة العامة. وتؤكد الأبحاث الطبية على دوره في خفض مستويات السكر لدى مرضى السكري بفضل الجزيئات الشبيهة بالإنسولين. كما أن له تأثيرات إيجابية في الحد من نمو الخلايا السرطانية، وتحسين أعراض التوحد وتعزيز المناعة وصحة الجلد. ورغم هذا الزخم العلمي، لا يزال استهلاكه محدوداً في بعض الدول بسبب ضعف الوعي أو قلة توفره، بينما أشارت التجارب أن غالبية المستهلكين يفضلونه بعد التعرف على فوائده التغذوية والصحية، مما يعكس فرصة اقتصادية واعدة يمكن استثمارها.
وقد شهدت المملكة توسعاً في مزارع إنتاج حليب الإبل وتطوير خطوط حديثة لتصنيع الحليب المبستر ومشتقاته، وكانت إحدى أبرز المبادرات الوطنية التي أحدثت تحولاً جوهرياً في صناعة حليب الإبل بالمملكة تأسيس شركة «سواني»، والمملوكة لصندوق الاستثمارات العامة بطاقة إنتاج تصل إلى 500 ألف لتر شهريًا، فمنذ تأسيسها تبنّت رؤية طموحة تهدف إلى تطوير هذا القطاع الحيوي عبر بناء منظومة إنتاج متكاملة تبدأ من تربية الإبل وفق أعلى المعايير، مروراً بعمليات الحلب والتجهيز، وصولاً إلى تصنيع منتجات مبتكرة تلبي احتياجات المستهلكين. وقد أسهمت من خلال علامتها التجارية «نوق»، في إعادة تقديم حليب الإبل بصورة عصرية تجمع بين الجودة العالية والهوية السعودية، مما عزز حضور منتجات الإبل في الأسواق ورفع مستوى الثقة بها. ودفع عجلة الابتكار في هذا القطاع عبر تبني تقنيات حديثة في الإنتاج والتعبئة، وتوسيع نطاق التوزيع ليشمل منافذ بيع محلية. وبفضل هذا التوجه، أصبحت المملكة في موقع ريادي يشكل مستقبل صناعة حليب الإبل عالمياً، مستفيدة من تزايد الاهتمام الدولي بحليب الإبل كغذاء عالي القيمة، وكمورد اقتصادي واعد يدعم الأمن الغذائي ويعزز التنويع الاقتصادي الوطني.
كما تعمل المملكة على تحويل قطاع الإبل بشكل عام إلى صناعة متكاملة تشمل الحليب واللحوم والرياضات التراثية والسياحة، مما يجعل الإبل عنصراً اقتصادياً واعداً يعزز الأمن الغذائي ويتماشى مع رؤية السعودية 2030 ومستهدفاتها.