د.زيد محمد الرماني
أعتقد أنه لا سعادة حقيقية إلا بالكسل.
قد يبدو هذا القول تهكماً، ولكن ما أكثر ما فيه من الحقيقة. فإن الإنسان الذي يقضي حياته في عمل متواصل، لا يتوقف عن ذلك إلا ريثما يزدرد لقيمات تقيم أوده، أو لأن سلطان النعاس غلبه على أمره، لا يمكن أن يكون إنساناً سعيداً في حقيقة الأمر وإذا كان لا يشعر بالتعاسة، فلأنه لم يتسع له الوقت ليسأل نفسه، أو ليعرف طعم الحياة.
ولتعلم أنه إذا لم يتسع أمامك الوقت ساعات كل يوم تشعر فيها أنك غير مطالب بشيء على الإطلاق، فتستطيع أن تسترخي، أو تتمشى، أو تقرأ، أو تذهب إلى زيارة قريب أو صديق. إذا لم يتسع الوقت ساعات كل يوم لتفعل هذا كما تشاء، فأنت إنسان غير سعيد.
إن الفترة الأولى من حياة الإنسان ومنذ فجر شبابه، بمعنى أصح، لا تسمح له بذلك كما يشاء ويريد . فإن مطالب العيش، والطموح إلى بناء المستقبل، لا تترك للإنسان وقتاً للكسل. وإذا تركت له بعض الوقت، فإن دماء الشباب الفوارة تجعله يشغله بما لا يقل إجهاداً عن العمل. فإذا انسلخ عهد الشباب، أصبحنا أرباب أسر وآباء أطفال، وكان علينا أن نفكر في تأمين شيخوختنا، وتوفير الحياة الكريمة لأولادنا، ولذا ننهمك في العمل ولا نسمح لأنفسنا بذلك الكسل اللذيذ، ونضطر –آسفين– إلى تأجيل هذه المتعة الكبرى -التي هي شرط السعادة الضروري- حتى الشيخوخة.
فالشيخوخة، أو بمعنى أصح سن التقاعد، وهو السن الذهبي الذي يحلم به كل إنسان، كي ينعم بالكسل الجميل، ويستطيع التصرّف في حياته كما يشتهي. فأنت لا تملك وقتك إلا إذا كان فارغاً من المسؤوليات والمطالب. أما وأنت مسؤول فوقتك مشغول، وأنت ملك لوقتك وليس وقتك ملكاً لك.
وليس هناك في الواقع حد معين تستطيع أن تقول عنده للتاجر أو المحامي أو الطبيب أو المزارع: الآن يا صاحبي يجب أن تتقاعد، فقد بلغت الستين، وهي سن التقاعد.
وذلك لسبب يسير جداً، وهو أن الأشخاص يختلفون كثيراً في تكوين أجسامهم، وظروفهم المالية والعائلية، بحيث يجب أن يترك للشخص نفسه تحديد سن تقاعده.
إذن : متى يجب أن نبدأ في التفكير في التقاعد!؟
الجواب الصحيح عندي لا شك سيدهشك، فإنني أرى أن الإنسان العاقل يجب أن يبدأ التفكير في التقاعد وهو دون سن العشرين.
يقول المفكر دايل كارنيجي مؤكدا على ذلك: فمنذ تلك السن يجب أن تفكر وتستعد، حتى تكون متأهباً للتقاعد في أقرب وقت ممكن، فلا يكون تقاعدك لأنك لم تعد تستطيع العمل، بل لأنك قادر على وقف العمل كي تتفرغ لحياتك الخاصة. وليس لأنك لم تعد تصلح إلا لانتظار الموت. بل لأنك تريد أن تبدأ الحياة الحقيقية، وما زلت صالحاً لها.
فيا حبذا لو كانت مادة التقاعد من المواد الدراسية في مدارس التعليم العام والجامعي، حتى لا نفسد حياتنا، ونخسر أجمل ما فيها، وهو وقت الحلم الذهبي أي الكسل والاستمتاع بالحرية والوقت. فإذا كنت تستطيع التقاعد في سن الخامسة والأربعين، فلا تجعلها خمسين، وإياك أن تضع خطتك منذ البداية على أنك ستتقاعد في سن الخامسة والستين، لأنك غالباً سوف لا تتمتع بالعهد الذهبي إلا ببضع سنوات، كما أنه يحتمل كثيراً أن تكون قد صرت مهدماً فتقضي تلك السنوات مقعداً منغصاً لا تستطيع التلذذ بحريتك ووقتك، كما أنه يمكن والله أعلم ألا تبلغ سن الخامسة والستين.
وثمة شيء آخر: عليك منذ حداثتك أن «تضع عينيك» على هواية تستمتع بها بعد التقاعد. فلا يخطرن ببالك أنك ستسعد في تقاعدك بقضاء السنوات في لف أحد إبهاميك حول الآخر، أو في حبات المسبحة، وأنت تحملق في السماء أو في الماء.
وهناك خطأ شائع جداً، وهو أن التقاعد يقصر العمر، ويذكرون مثلاً لذلك حالات رجال كانوا بأحسن صحة وهم يعملون، فلما تقاعدوا لم يعمروا طويلاً وماتوا.
وتعليل ذلك عندي يسير: فإن طول مدة العمل تضعف المقاومة، فإذا توقف الإنسان مرة واحدة عن العمل ولم يكن عنده ما يشغله إطلاقاً, كان ذلك أشبه بنزول الشخص من القطار وهو يجري بأقصى سرعته. ذلك أن أجهزته كلها معقودة على روتين مجهود معين بسرعة معينة، فإيقافه فجأة يحدث هزة شديدة، هي التي تسبب ذلك الانطفاء السريع.