د. فهد بن أحمد النغيمش
أجمع العقلاء على أن الظالم العادي المتسلط متبوع ذكره بوافر الطعن، ووابل الشتم، وأليم الدعوات؛ فالظلم مركب وخيم، يسلب حقاً من محق، ويلبس باطلاً لبريء، عدوان به يكفأ مكيال الحق، ويقلب به ميزان العدل، الظلم موجع للمظلوم عاجل أمره، لكن عاقبته على الظالم أشد وأوجع، لا يقوم بالظلم بنيان، ولا تثبت له أركان، ولا يعلو لصاحبه أمر ولا شأن.
كم حلت بالظلم من مهالك، وكم محقت به من ممالك، وكم قصمت به من دول، وكم تهاوت به من عروش!، كم سلبت نعمة من ظالم، وكم حلت به من نقمة، وكم أحاطت به من عقوبة، وكم يدخر له يوم القيامة من ظلمات!، عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» (رواه مسلم).
وما اجترأ إنسان على جريرة أعظم من جرأته على ظلم نفسه بالإعراض عن الله، وجرأته على ظلم عباد الله، عن أبي ذر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يروي عن الله -تبارك وتعالى- أنه قال: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا}.
ويل للظالم من دعوات المظلومين فهي سلاح يفتك في أعماق الظالمين، ينتقم الله للمظلوم من ظالمه ولو بعد حين، عن أبي موسى -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته» (متفق عليه).
دعوات المظلوم سهام لا تخطئ، تأتي على الظالم فتحيط به فتصيبه في مهلك، وكم دعوة من مظلوم حلت بظالم، فأحالته إلى أسوء منقلب!، ومما اشتهر في كتب السير مقولةً قالها الوزير الأسير يحيى بن خالد البرمكي، الذي كان وزيراً في حقبة من حقب الخلافة العباسية، فكان له فيها أمر ونهي، وأبهة وصولة وسلطان، وبين عشية وضحاها، انقلبت به الحال إلى الحبس والأغلال والقيود والتنكيل، وبقي في محبسه إلى أن مات سنة 190هـ مائة وتسعين من الهجرة، وبينما هو في حبسه يوماً ومعه ابنه جعفر، نظر إليه ابنه فقال: «يا أبت! أبعد الأمر والنهي نصير إلى القيود والحبس؟!»، فقال له أبوه -وهو العارف بالسنن الإلهية التي لا تتخلف-: «يا بني! لعلها دعوة مظلوم، سرت بليل غفلنا عنها، ولم يغفل عنها الله»، ثم أنشأ يقول:
رب قوم قد غدوا في نعمة
زمناً والدهر ريان غدق
سكت الدهر زماناً عنهم
ثم أبكاهم دماً حين نطق
ومن دعوات المظلومين، ما روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير، أن الصحابي الجليل سعيد بن زيد - رضي الله عنه، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة - خاصمته أروى بنت أوس إلى الخليفة مروان بن الحكم، وادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها، فقال سعيد -رضي الله عنه-: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! قال مروان: ماذا سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا؛ طوقه إلى سبع أرضين»، فقال له مروان: لا أسألك بينةً بعد هذا، فقال سعيد: «اللهم إن كانت كاذبةً؛ فأعم بصرها، واقتلها في أرضها»، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت» (متفق عليه)؛ إنها دعوات المظلومين ما أصوبها!.
وحين اجترأ رجل من أهل الكوفة يدعى أسامة بن قتادة على ظلم سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- في قصة شكاية أهل الكوفة إلى عمر -رضي الله عنه- فقال متهماً: «إن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية»، فقال سعد -رضي الله عنه-: «أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسمعةً؛ فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن»، قال عبدالملك: «فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد» (متفق عليه)، {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}.
أوزار ومظالم يحملها المرء على ظهره يوم القيامة، لن يجد له في العالمين معيناً، حقوق العباد بالعدل سيقضيها الله، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء» (رواه مسلم)، {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
صور المظالم التي تكون بين العباد أكبر من أن تحصى، فعقوق الأبناء للوالدين ظلم، وتسلط الأزواج على بعضهم ظلم، وعدم العدل بين الزوجات أو بين الأولاد ظلم، وإيذاء الجار ظلم، والغيبة والبهتان ظلم، وسلب الحقوق ظلم، وإلحاق الأذى بالعباد ظلم، والكيد والمكر والخديعة والغش ظلم، ومطل الغني ظلم، والأخذ من مال اليتيم بغير حق ظلم، والجور في الحكم على الناس ظلم، وشهادة الزور ظلم، والمدير لا يعدل بين من تحت يده ظلم، وصور الظلم لا يحيط بها من عد.
كم من مظلوم حلت به مظلمة في ماله، فلأجلها انكسر وافتقر! ومن جعل ظلم العباد مصدراً لتكسبه، فبئس المصدر وبئس ما سلك، عن المستورد بن شداد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أكل برجل مسلم أكلةً؛ فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كسي ثوبًا برجل مسلم؛ فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء؛ فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة». (رواه أحمد وأبو داود وصحح الألباني).
كتب الفضل بن يحيى إلى عامل له: «بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد»، رحم الله عبداً أدرك عواقب الظلم فتدارك، ورحم الله عبداً تخلص من مظالم العباد قبل حلول النقمة به.