خالد بن عبدالرحمن الذييب
ثمة لقاءات عابرة ولكنها تـبقى خالدة، أتى بها القدر دون خطة وبلا موعد بين طـرفين، طـرف مكـتف بـذاته حاملاً الشرارة التي تبحث عن نفس لتشعلها بنار التساؤلات، وجنة التأملات. هذه اللقاءات تكون غير مقصودة، وأحياناً أخرى.. أيضاً غير مقصودة.
يكون اللقاء فجأة، والفراق صدمة، اللقاء ليس بقرار من أحد، ولكن الفراق يقرره من الاثنين «أحد»، طرف لا يهتم بالبداية ولا تعنيه النهاية، وطرف لم يفكر في البداية، ولكن تعلّق في النهاية، فأصبح الفراق علقماً على طرف، ومجرد قرار على طرف آخر.
في قصة موسى والخضر عليهما السلام؛ كان اللقاء رحلة في طلب العلم انتهى بصرامة قاطعة في لحظة صادمة للتلميذ: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}.
لقد أتى الخضر ليزلزل ثوابت العقل والمنطق، وعندما انتهت مهمة «الإيقاظ»، رحل دون التفات، تاركاً خلفه نبياً أدرك أن فوق كل ذي علم عليم.
في رواية «قواعد العشق الأربعون» نرى التعارض بين الشخصية المتحكمة اللامبالية، المتمثلة في شمس الدين التبريزي وعزيز زهارا، وبين الشخصية المتعلقة الأسيرة المتمثلة في جلال الدين الرومي وإيلا. وفي كلا المسارين تبدأ عملية تحول يحضر فيها العشق والتعلّق العنيف، ليس بالشخص، بل بالحياة والحرية التي يمثّلها.
وعند كازنتزاكس «زوربا» هو الإعصار الذي اجتاح حياة «الرئيس»، ليعلمه أن الوجود يُعاش بالحواس، بالروح، بالأفكار، لا بالكلمات.
إن هذه الشخصيات، لا ترحل لأنها تريد الرحيل، ولكن لأن لديها يقيناً أنها أتت من أجل مهمة واحدة، يعلمون أنها انتهت ويرحلون، ولا يعنيهم إن فهمت ذلك أم لا، هم مقتنعون بما أدّوا، ومتى ما رأوا أنه لا شيء يضيفونه... اختفوا.
أخيراً ...
فراق هؤلاء كما عبَّر كازانتزاكس يأتي «كضربة سيف»، حاداً ومفاجئاً ونهائياً.
ما بعد أخيراً ...
إنهم يغادرون دون موعد، تاركين خلفهم كائنات أُعيدت صياغتها من جديد، ليبقى هؤلاء العابثون بالأرواح ذكرى تبقى للأبد.