د. طارق بن محمد بن حزام
ليست الظنون مجرد أفكارٍ عابرة تمرّ في الذهن ثم تتلاشى، بل هي عدسات خفيَّة نرى من خلالها العالم، فنفسِّر المواقف وفق ما نعتقد، ونحمّل الكلمات ما قد لا تحتمله، ثم نندهش حين لا تسير الحياة كما رسمناها في تصوراتنا. والخطر الحقيقي في الظنون أنها تمنح الإنسان شعورًا زائفًا باليقين، فيظنّ أنه يرى الحقيقة كاملة، بينما لا يرى -في كثير من الأحيان- سوى جزءٍ محدود منها.
إنّ أول خطوات التحرّر من هذا الوهم تبدأ بإدراك حقيقةٍ جوهرية: ما نراه ليس بالضرورة الحقيقة المطلقة، بل قد يكون زاويةً منها أو احتمالًا من احتمالات عديدة. ولهذا، يصبح التريّث قبل إطلاق الأحكام ضرورةً أخلاقية وعقلية، لا مجرد سلوكٍ اجتماعي محمود. فكم من علاقةٍ أفسدتها التفسيرات المتعجّلة، وكم من موقفٍ بُني على ظنونٍ تبيّن لاحقًا أنها لم تكن دقيقة.
ويميل الإنسان بطبيعته إلى تصديق ما يوافق قناعاته المسبقة، بينما يستبعد ما يخالفها، وهي ظاهرة تجعل العقل أسيرًا لما يريد أن يراه، لا لما هو قائم فعلًا. ومن هنا تنشأ كثير من الأخطاء في فهم الناس والأحداث؛ إذ تتحول الانطباعات إلى «حقائق» في داخلنا دون اختبارٍ كافٍ أو مراجعةٍ عادلة.
وفي العلاقات الإنسانية تتجلَّى هذه الإشكالية بصورة أوضح؛ إذ يبني البعض آماله وتوقعاته على تصورات ذهنية لا على حقائق ثابتة، ثم يشعر بخيبة الأمل حين لا تتحقق تلك التوقعات. والحقيقة أن البشر تتبدَّل ظروفهم، وتتغيَّر قدراتهم، وليس كل ما لم يكتمل يُعد خذلانًا أو سوء نيَّة، بل قد تكون وراءه أسباب لا نعلمها أو ظروف لم تتضح لنا بعد.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا ميل العقل إلى تصنيف الأشخاص والأحداث ضمن قوالب جاهزة؛ فبمجرد موقفٍ واحد قد يُصدر الإنسان حكمًا نهائيًا على الآخرين، فيختزلهم في صورةٍ واحدة، متناسيًا أن النفس البشرية أعقد من أن تُفهم بلحظة عابرة أو موقفٍ منفرد. ولهذا، فإنَّ النضج الفكري يقتضي ترك مساحة لاحتمالات أخرى، وعدم التسرُّع في بناء التصورات النهائية.
ولعل من أهم الوسائل التي تحمي الإنسان من الوقوع في فخ الظنون أن يتعلَّم فن السؤال قبل التسرُّع في الإجابة. أن يسأل نفسه: هل ما أراه حقيقة كاملة؟ وما الدليل على هذا الاستنتاج؟ وهل تكفي المعطيات المتاحة لبناء حكمٍ نهائي؟
فهذه الأسئلة لا تعكس التردد بقدر ما تعبِّر عن وعيٍ ناضج يحترم الحقيقة، ويتعامل معها بتواضعٍ ومسؤولية.
كما أنَّ مراجعة الأفكار الموروثة والتعميمات الشائعة ضرورة لا غنى عنها؛ فكثير مما يتداوله الناس بوصفه «حقائق» ليس سوى آراءٍ تكررت حتى استقرّت في الأذهان دون تمحيصٍ كافٍ أو تفكيرٍ مستقل.
أما النوايا، فهي من أكثر المساحات التي يخطئ الناس في اقتحامها؛ إذ لا يملك الإنسان القدرة على معرفة ما في صدور الآخرين على وجه اليقين، بل إنّ المرء قد يعجز أحيانًا عن تفسير بعض دوافعه الشخصية، فكيف يُجيز لنفسه الجزم بمقاصد غيره؟ إنَّ استحضار هذا المعنى يخفِّف من حدَّة الأحكام، ويزرع في النفس قدرًا أكبر من الرحمة والإنصاف.
وفي العلاقات الشخصية تحديدًا، لا ينبغي أن تُبنى المواقف على الظنون أو التفسيرات الصامتة، بل على وضوح الحوار وصراحة السؤال. فالتواصل الصادق كفيل بإزالة كثير من سوء الفهم، وفتح أبوابٍ كانت الظنون توشك أن تغلقها.
وقد عبَّر سلفنا عن هذا المعنى الراقي بقولهم: «إذا بلغك عن أخيك شيء تُنكره، فالتمس له عذرًا إلى سبعين عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه.» وهي قاعدة أخلاقية عظيمة تُهذِّب النفس، وتدعو إلى حسن الظن، وتحفظ القلوب من القسوة والتعجّل.
وفي النهاية، فإنّ ما بين الظنِّ والحقيقة مسافةً لا يقطعها إلا الوعي؛ وعيٌ يُعلّم الإنسان أن الحقيقة أوسع من رؤيته، وأن الناس أعمق من أحكامه، وأن التريّث ليس ضعفًا، بل نضجٌ يحميه من الوقوع في ظلم الآخرين أو خداع نفسه. وكلما اتّسعت رؤيتنا، وخفّت أحكامنا المتعجّلة، أصبحنا أقرب إلى الحقيقة.. وأكثر سلامًا مع الناس والحياة.