د. إبراهيم بن جلال فضلون
في عمق الخراب، لا نكتشف إن كنا نحبّ حقاً، بل نكتشف إن كنّا قادرين على الاستمرار في الحب رغم كل شيء.» هكذا يمكن أن نعيد صياغة روح مقولات ألبير كامو في قوله: «الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يرفض أن يكون على حقيقته». فنحن نقضي أعمارنا في محاولة الهروب من حقيقتنا العارية نحو أقنعة نصنعها لأنفسنا، حيثُ لا يكون الحب ترفاً شعورياً، بل فعل مقاومة صامتة، واحتجاجاً داخلياً ضد عبث العالم، ليتصادم نزوع الإنسان نحو «الخلق» (الحُب) مع واقع يفرض عليه «الفناء» (الحرب). إنها اللحظة التي يرتدي فيها الحُب درعاً، ليس ليقاتل، بل ليحمي ما تبقى من «الإنسان» داخل المُحارب.
إن الكتابة عن الحُب في زمن الحرب قد تبدو ضرباً من العبث، لكنها في جوهرها استعادة للقاعدة البشرية في مواجهة الاستثناء الدموي. فهو هنا لا يُعاش بوصفه وعداً، بل احتمالاً مهدداً في كل لحظة.
يلتقي العاشقان وهما يعلمان أن الغياب أقرب من اللقاء، وأن الفقد ليس احتمالاً بعيداً بل واقعاً يومياً، فيتحول الحُب إلى تجربة معقدة مشوبة بالخوف؛ إنه تكامل الأضداد الذي نادى به الفلاسفة، فالحب (يشتد لأنه مهدد، ويضعف لأنه مرهق بالخوف)، هكذا يصبح الحب في الحرب نوعاً من «الوعي المأساوي»؛ وعيٌ بأن الجمال مؤقت، وأن كل لحظة دفء تحمل في طياتها ظل الفقد. ومع ذلك، يصر الإنسان على الحب، وكأنه يتمسك بآخر ما يثبت إنسانيته في وجه التوحش، فلا تبرز قيمة الحُب إلا بوجود الكراهية، ولا يتجلى النور إلا بوطأة الظلمة، وفي خنادق اليأس، يولد أمل مُفرط في الحساسية، حيث يصبح العناق محاولة يائسة لتثبيت الروح في جسد قد يغادره الرصاص في أي لحظة، وعندما يتحدث الجسد نيابة عن الروح نجد تفكيك الوجع الذي استلهمتهُ أطروحات «العصاب»، للمؤلف السعودي محمد الغوينم، لنجد أن المشاعر المكبوتة في زمن الأزمات لا تتلاشى، بل تتحور.
عندما يعجز اللسان عن وصف هول الفقد، تبدأ اللغة السيكوسوماتية (النفس- جسدية) بالتشكل، وفي هذه الحالة، لا يعود الحب مجرد شعور، بل يصبح عبئاً نفسياً ثقيلاً. فيتحول الاشتياق إلى قلق، والغيرة إلى رعب من الفقد، والحنين إلى وجع جسدي حقيقي. والجسد لا يصمت، بل «يبكي» بطريقته الخاصة. وكأن الجسد يقول ما عجزت اللغة عن قوله: «أنا متعب من حب لا أستطيع حمايته»، فهي حالة «النفس- جسدي»، حيث لا يعود الألم مجرد فكرة، بل تجربة محسوسة، يعيشها الإنسان في جسده كما يعيشها في روحه، أي يتحول الوجع النفسي إلى «تجسيد» مادي، حيث يصبح القلق ملمساً خشناً على الجلد، والكبت ضيقاً في التنفس، في مشهد يعكس عجز «الأنا» عن استيعاب حجم الدمار المحيط.
على الرغم من قدسية الحُب، إلا أنه ليس محصناً ضد التآكل مع إبراز «الشر الأخلاقي» الذي يغذي النوازع الذاتية، يتحول الحُب أحياناً إلى وسيلة بدلاً من أن يكون غاية أي (مصلحة براغماتية أو المنُّ والأذى، فلا شيء يقتل الحب أسرع من شعور أحد الطرفين بأنه «المخلص» أو «المتفضل»، مما يحول العلاقة إلى تراتبية استعلائية تخنق حرية الآخر، وأخيراً الزيف) وفي هذه الحالات، لا يموت الحب فجأة، بل يختنق ببطء، ليتحول من «نور معرفة» إلى «وظيفة باردة»، ومن تجربة إنسانية إلى صفقة ضمنية. لتزداد الهوة بين «الذات» وحقيقتها، وهو ما يقود إلى حالة من العصاب الجماعي، وهو ما نراه زائدا عن حده في مشاهد العيادات النفسية، حيث يضيع اليقين بين شك المريض وعجز الطبيب، ليقع الإنسان في حالة «شك وجودي».
وهنا تكمن الفاعلية العلاجية للحُب الأصيل؛ إنه يعمل كـ «طبيب» يرمم ثقة المريض بالحياة. الحُب هو القوة التي تسمح للإنسان بأن يكون «على حقيقته» دون خوف، وهو التصالح الوحيد الممكن مع الوجع.
وما بين الأمس واليوم، تخفي الإحصاءات قصصاً صماء من النزيف النفسي. إذا قارنا بين «الحُب القديم» القائم على التحمل والاندماج الفطري، و»حُب العصر الجديد» المتسم بالهشاشة الرقمية والأنثى المُسترجلة، سنجد فجوة مرعبة بين جيلين، وفق بيانات المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية NCBI ؛ جيل «الحب القديم» الذي اتسم بالصلابة والاندماج الفطري، وجيل «العصر الحديث» الذي يواجه استنزافاً نفسياً حاداً يترجمه الجسد إلى أرقام صادمة من الاعتلالات وحبارير المسترجلات، في أزمة الاغتراب التعبيري وصولاً إلى «الاختناق التعبيري»، فبينما كان الحب التقليدي يعتمد على تدفق المشاعر بصورة جسدية ولفظية مباشرة، نجد أن 64.47 % من جيل العصر الرقمي يواجهون عجزاً حاداً في مهارات التعبير العاطفي. وهو ضغط نفسي متراكم لا صمت خاصة في المجتمعات التي تئن تحت وطأة النزاعات، ايضاً حالة الهشاشة النفسية حيث يعاني 80 % من أفراد المجتمع الحديث من اهتزاز عميق في تقدير الذات. وتتجلى خطورة الموقف في الأرقام التي تشير إلى أن 60 %من حالات الإصابة بالسمنة ومرض السكري لها جذور نفسجسدية (Psychosomatic) مرتبطة بالتوتر العاطفي. فالجسد هنا لا يمرض عفوياً، بل يترجم «الجوع إلى الحب» أو «القلق من الفقد» إلى اختلالات وظيفية، حيث يؤدي عدم القدرة على تفريغ الشحنات العاطفية إلى انتشار واسع لأمراض القولون والقرحة كاستجابة بيولوجية للألم الصامت.
هذه الإحصاءات تصرخ بحقيقة واحدة: نحن أمام «نزيف نفسي» عابر للأجساد. فالعجز عن العودة إلى بساطة الحب الفطري كلف البشرية فقدان التوازن العضوي؛ مما يجعل العودة إلى تلك الجذور ضرورة صحية قبل أن تكون حاجة عاطفية، لإنقاذ ما تبقى من أجسادنا من براثن «الأرقام الصماء» التي تترصدنا في معادلة: (بيئة نفسية= بيئة مثقلة بالكبت، والقلق، وانعدام الأمان).
نعود لنقطة البدء، إلى مقولة كامو؛ فإذا كان الإنسان يرفض أن يكون على حقيقته، فإن الحرب تجبره على ذلك الرفض بعنف، بينما يدعوه الحُب للعودة إلى جوهره بسلام. ليظل الحُب هو «المعلم العظيم» وإن كان درسه صعباً. إنه المكافأة الوحيدة التي لا تطلب مقابلاً سوى «الحُب ذاته». إن قدرة الإنسان على أن يحب وسط الركام هي الدليل القاطع على أن الجمال، كما قال رينوار، هو ما يبقى في النهاية، بينما يرحل الوجع وتندثر الحروب. الحُب هو ثورتنا الأخيرة ضد الفناء، وهو الحقيقة الوحيدة التي تستحق أن نكون «عليها».
وقفة:
«نحن لا نكتشف إن كنا نحب، بل إن كنا قادرين على الاستمرار في الحب.»