د. طلال الحربي
حين نستقرئ أرقام الأداء المالي للميزانية العامة للدولة خلال الربع الأول من العام 2026م، لا نقرأ مجرد أرقام محاسبية جافة، بل نقرأ فصلاً من فصول مسيرة إصلاحية متكاملة، تقودها رؤية حكيمة ترسم ملامح اقتصاد متين، قادر على الصمود في وجه الاضطرابات الإقليمية والعالمية المتلاحقة.
سجّلت الإيرادات الكلية خلال هذا الربع نحو 261 مليار ريال، وهو رقم يستوقف المحلل المتأمل لا لحجمه فحسب، بل لما يعكسه من تحول نوعي في بنية الاقتصاد السعودي. فعلى الرغم من تراجع الإيرادات النفطية بنسبة 3 % لتبلغ 145 مليار ريال، متأثرةً بتقلبات أسعار النفط العالمية وتوترات الجيوسياسة، إلا أن الإيرادات غير النفطية ارتفعت إلى 116 مليار ريال، محققةً نمواً بنسبة 2 %، وهو مؤشر بالغ الدلالة على نجاح إستراتيجيات التنويع الاقتصادي التي أرستها رؤية 2030. إن الاقتصاد الذي يُعوّض تراجع مصدره التقليدي بنمو مصادره البديلة هو اقتصاد ناضج في طور الانتقال نحو التعددية والاستدامة.
أما على جانب النفقات، فقد بلغ الإجمالي نحو 387 مليار ريال بارتفاع نسبته 20 % مقارنة بالربع الأول من العام الماضي. وهنا لا بد من التوقف عند هذا الرقم بعين الخبير لا بعين المتسرع. فالإنفاق المرتفع حين يكون موجّهاً نحو تسريع تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي وتنفيذ الإستراتيجيات الوطنية الكبرى، إنما هو استثمار في مستقبل الأجيال. والدليل على كفاءة هذا الإنفاق يتجلَّى في ارتفاع الإنفاق على الصحة والتنمية الاجتماعية بنسبة 12 % ليبلغ 81 مليار ريال، وارتفاع الإنفاق على التجهيزات الأساسية والنقل بنسبة 26 % ليصل إلى 12 مليار ريال، في مؤشر صريح على توجه إستراتيجي لتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي.
والناظر في هذه الأرقام يلمس فوراً بصمة القيادة الرشيدة في صون الإنسان السعودي وتعزيز رفاهيته، إذ ارتفع الإنفاق على المنافع الاجتماعية إلى أكثر من 31 مليار ريال، في رسالة واضحة مفادها أن التنمية الاقتصادية لن تكون على حساب المواطن، بل ستكون في خدمته وصون كرامته.
ويبلغ عجز الميزانية خلال هذا الربع نحو 126 مليار ريال، وهو رقم يندرج ضمن السياق التخطيطي المُعتمد مسبقاً للعجز السنوي البالغ 165 مليار ريال. والجدير بالذكر هنا أن المملكة أتمّت ما يزيد على 90 % من خطة اقتراضها للعام 2026م قبل اندلاع الأحداث الجيوسياسية في المنطقة، وهو ما يكشف عن مستوى رفيع من الكفاءة في الاستشراف المالي والتخطيط الاستباقي، ويعكس ثقة الأسواق العالمية الراسخة في الملاءة المالية للمملكة ومكانتها الائتمانية المتميزة. وتُسهم الاحتياطيات الحكومية البالغة نحو 401 مليار ريال في تعزيز المنعة المالية للدولة وتمكينها من مواجهة أي متغيرات طارئة بمرونة واقتدار.
وتكتمل الصورة المشرقة حين ننظر إلى جملة من المؤشرات الاقتصادية التي تُسبغ على هذه الأرقام سياقها الحقيقي. فقد حقق الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لكامل عام 2025م نمواً بنسبة 4.5 %، ويُتوقع أن يبلغ النمو 4.6 % بنهاية 2026م. كما ارتفع مؤشر الإنتاج الصناعي بنسبة 9.8 % خلال يناير وفبراير 2026م، ونما الائتمان المصرفي الممنوح للقطاع الخاص بنسبة 8.8 %، فيما تجاوز مؤشر مديري المشتريات عتبة الـ53 نقطة، معلناً استمرار مرحلة التوسع الاقتصادي. وفوق ذلك كله، قفزت الصادرات غير النفطية بنسبة 17.5 % لتسجل 63.3 مليار ريال في الشهرين الأولين من العام، في شاهد بليغ على حيوية الاقتصاد الإنتاجي وقدرته على التوسع والتنافس.
إن تقرير الأداء المالي للربع الأول 2026م ليس مجرد بيان أرقام، بل هو شهادة على عقد اجتماعي ووطني من نوع رفيع، تعمل فيه الدولة بتنمية مواطنيها وبناء اقتصادها وتنويع مصادر ثروتها، وفق رؤية ثاقبة ترى في الأزمات فرصاً، وفي التحديات محفزات. ولا غرابة في ذلك حين تكون القيادة رشيدة، والتخطيط إستراتيجياً، والمضيّ نحو المستقبل قراراً لا رجعة عنه.