د.شريف بن محمد الأتربي
تقوم الدول والهيئات والقطاعات المختلفة بابتعاث منسوبيها للدراسة أو التدريب داخليا أو خارجيا من أجل زيادة تحصيل العلم والمعرفة والمهارات، وبالتالي ينعكس ذلك على أداء الفرد داخل المنظمة وخارجها، وإلى جانب هذا الابتعاث -من وجهة نظري- يأتي الابتعاث النفسي، حيث يسعى الفرد إلى تنمية قدراته، والتعرف على نقاط قوته ونقاط ضعفه، ويعمل على ردم الفجوة بينهما، وخاصة فيما يتعلق بالشخصية والمهارات الناعمة، والقدرة على التكيف مع المجتمع الكبير وبالتالي قدرته على التكيف مع اسرته وزملاء العمل.
النفس: هي ذات الإنسان الشاعرة المستقرة في الصدر والسارية أشعتها بواسطة الأعصاب في سائر أنحاء الجسد. وهذه النفس المسجونة في الجسد إنما تتعرَّف بما يحيط بها من الأشياء بواسطة الحواس، فعن طريق العين تُبصر، وعن طريق الأذن تسمع وبالأنف تشم، وبواسطة الجلد تحس وتلمس، وباللسان تذوق طعوم الأشياء كما تعبِّر به عما يجول فيها من الخواطر والأفكار. (محمد أمين شيخو)
يقول الله تعالى في محكم آياته في سورة الشمس عن النفس: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا(15)}.
يُستخدم مصطلح الابتعاث عادةً للدلالة على انتقالٍ خارجي يهدف إلى زيادة تحصيل العلم والمعرفة والمهارات عبر الدراسة أو التدريب داخل البلد أو خارجه. ومن المنظور النفسي يمكن توسيع معنى الابتعاث ليشمل انتقالًا أو إبحارًا داخليًا ذاتيًا لا يقل أهمية عن الابتعاث الخارجي. إنه الابتعاث النفسي. فالابتعاث النفسي هو مسار يسعى فيه الفرد إلى تطوير ذاته عبر فهم أعمق لخصائصه، والوقوف بصدق على نقاط قوته وضعفه، ثم العمل على ردم الفجوة بينهما. ويظهر هذا المفهوم بشكل أوضح حين يتعلق الأمر بمهارات الفرد الداخلية، أو ما يطلق عليه «المهارات الناعمة»، أو القدرة على التكيف مع البيئات الاجتماعية المختلفة، وبالتالي القدرة على التكيف مع الأسرة وزملاء العمل.
لا يقترن الابتعاث النفسي بتغيير سلوكيات سطحية أو ترديد شعارات إيجابية فقط؛ بل هو محاولة لتمكين الفرد نفسيًا ومعرفيًا ليصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات من خلال فهم ذاته. فإذا كان الابتعاث الخارجي يمنح فرصة لاكتساب معرفة جديدة، فإن الابتعاث النفسي يمنح فرصة لاكتساب «وظيفة نفسية جديدة»: تنظيم الانفعال، تحسين طريقة التفكير، وتطوير أساليب التواصل. وهنا تظهر العلاقة بين الابتعاث النفسي والأداء؛ إذ إن الفرد الذي يتعلم كيف يدير ضغطه ويعبّر عن احتياجاته ويتعامل مع الاختلاف بمرونة، غالبًا ما ينعكس ذلك على أدائه داخل المنظمة وخارجها بصورة ملموسة، لأن الاستقرار الداخلي يقلل التشتت ويزيد الاتساق في اتخاذ القرار.
ويُفيد علم النفس في تفسير هذا المسار عبر عدة نظريات. فعلى سبيل المثال، تساعدنا نظرية التعلم الاجتماعي لدى ألبرت باندورا على فهم كيف يتعلم الإنسان مهاراته من خلال الملاحظة والنمذجة، وليس فقط عبر الخبرة المباشرة. فالابتعاث النفسي يمكن أن يشتمل على تعلّم أنماط جديدة للتواصل أو إدارة الخلاف عبر النظر إلى نماذج ناجحة ثم تدريب هذه الأنماط وملاحظة نتائجها. ومع تكرار النجاح -حتى لو بنسب قليلة- يرتفع «الإحساس بالقدرة» لدى الفرد، فتزداد ثقته لنفسه ويقل خوفه من التجربة. وهذا يخلق حلقة تحسن: تجربة جديدة، نتيجة واضحة، ثم ثقة أكبر واستمرار في التطوير.
كما أن التنظيم الذاتي يشرح منطق الابتعاث النفسي بطريقة عملية. فالتغيير الحقيقي يحتاج وعيًا بما يحدث داخليًا، ثم ضبطًا لسلوكياتنا تحت الضغط، ثم متابعة وتعديلًا مستمرًا. كثير من الناس يضعون أهدافًا عامة مثل «أريد أن أكون أفضل» أو «أريد أن أتحسن»، لكن التحول يحتاج تفاصيل: ما الموقف الذي يزعزعني؟ ما الفكرة التي ترافقه؟ ما الانفعال الذي يتسع بداخلي؟ وما السلوك الذي أعود إليه تلقائيًا؟ حين يبدأ الفرد بطرح هذه الأسئلة يصبح قادرًا على التحكم بدلًا من الانجراف. هنا يتحول الابتعاث النفسي إلى تدريب مستمر على قراءة الذات وإعادة توجيهها.
ومن جهة أخرى، تأتي نظرية العقلية لدى كارول دويك لتمنحنا مفتاحًا مهمًا جدًا: هل ينظر الفرد إلى قدراته بوصفها ثابتة لا تتغير، أم بوصفها قابلة للنمو؟ في العقلية الثابتة، يصبح الخطأ تهديدًا للهوية؛ فيكثر التردد وتقل التجربة، وتظهر السلوكيات العدائية، أو الانهزامية. أما في عقلية النمو، فيتحول الخطأ إلى بيانات للتعلم. الابتعاث النفسي يعزز هذه النظرة المرنة؛ إذ يربي الفرد على أن التحديات جزء من الطريق وليست حكمًا نهائيًا على قدراته. وبهذا يصبح التطوير ممكنًا حتى عندما تكون النتائج ليست فورية.
ويمر الابتعاث النفسي بعدة مراحل، تبدأ بمرحلة التفكيك، أو كسر النماذج الذهنية القديمة (Mental Models) وفحص المعتقدات الراسخة. ثم مرحلة التفكّر والتأمل (Introspection): استخدام أدوات مثل تدوين اليوميات، التأمل، أو العلاج النفسي لفهم المعتقدات اللاشعورية. ثم مرحلة القبول والاحتضان: دمج الأجزاء المرفوضة في الشخصية بدلاً من محاربتها، مما يحقق السلام الداخلي. وأخيرا مرحلة تبني عقلية النمو: الانتقال من عقلية الجمود (الاعتقاد بأن الذات ثابتة) إلى عقلية النمو (الإيمان بالقدرة على التطور الدائم).
وفي ضوء ذلك، يمكن للابتعاث النفسي أن يُفهم كعملية متدرجة تبدأ بتشخيص الذات بوعي: ما الذي يكرر عثراتي؟ وما الذي يرفع إنجازي؟ ثم تحويل الرغبة العامة إلى هدف واضح قابل للقياس، مثل: «سأتواصل بشكل أوضح قبل أن أتوتر» أو «سأطلب توضيحًا بدل الافتراض». بعد ذلك يأتي التدريب: تمارين تنظيم الانفعال، تدريب على أساليب التواصل، ومراجعة ذاتية أسبوعية لما حدث بالفعل. ثم الأهم: تغذية راجعة من شخص موثوق أو مرشد أو حتى من خلال سجل شخصي للأدلة، لأن النمو يحتاج رؤية. وأخيرًا تأتي مرحلة المراجعة والتعديل؛ فإذا لم تنجح طريقة لا يعني ذلك فشل الإنسان، بل يعني أن هناك طريقة أخرى تحتاج للتجربة.
في النهاية، الابتعاث النفسي ليس فكرة شاعرية فقط، بل هو مسار إنساني واقعي يستهدف طبقة عميقة من الشخصية. عندما يتعلم الفرد كيف يفهم ذاته ويُنظم انفعاله ويطور طريقة تفكيره ويتدرب على مهاراته الناعمة، فإنه يخلق تغيرًا يتجاوز ذاته إلى علاقاته. ينعكس ذلك على الأسرة عبر تقليل الصدام وسوء الفهم، وعلى العمل عبر تحسين التواصل والقدرة على التعامل مع الضغط، وعلى المجتمع عبر زيادة المرونة والقدرة على التكيف. إن الابتعاث النفسي بهذا المعنى هو انتقال من «الاستجابة الآلية» إلى «الاختيار الواعي»، ومن ردود الفعل إلى القدرة على قيادة الذات بثبات.
وأخيراً لماذا يعتبر الابتعاث النفسي ضروريا؟
التخلص من الضغوط السلبية: يتحول التطوير من ضغط خارجي (الإنتاجية فقط) إلى دعم داخلي حقيقي، مما يقلل من القسوة على الذات.
الارتقاء بالإمكانيات: يسهم في تفعيل أقصى طاقات الفرد، مما يؤدي إلى حياة أكثر إشباعاً ورضا.
مرونة نفسية عالية: يصبح الفرد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وتحويل التحديات إلى فرص للنمو.