إعداد - د. محمد حامد الجحدلي:
* د - الإذاعة والإرث العريق:
ولأهمية الإذاعة السعودية التي حرصت على الجمع بين الإرث العريق، مما أتاح للمتلقي والمستمع السعودي الانفتاح على العالم الآخر، وتبادل الخبرات والثقافات لدى المجتمع العربي والإسلامي، خصوصاً القادمين للمملكة العربية السعودية، لأداء فريضة الحج، وزيارة المسجد النبوي، مما جعل من الإذاعة السعودية أن تأخذ مكانها الطبيعي، كأهم المنابر الإعلامية داخل المملكة وفي المشاعر المقدسة، وما يجب أن يتوافر لديهم من ثقافة واسعة، قبل قدوم الحجاج المملكة، وهو ما يعكس التطور وحرص المملكة على هذه الرسالة الإذاعية، منذ عهد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - وشمل التطوير زيادة حجم ومساحة البث الإذاعي، ولنا الاعتراف بتواضع الإمكانيات في تلك الفترة الزمنية المبكرة، ولكنها كانت من أهم الفترات التي يعتمد عليها في متابعة أخبار الحجاج والاطمئنان على تمتعهم بالأمن والسلامة في تنقلاتهم بين المشاعر المقدسة، والطرق المؤدية للحرمين الشريفين، إضافة لزيادة أعداد المستمعين في داخل المملكة وخارجها.
وفي هذا الصدد صدر مرسوم ملكي رقم 7-3-16-3997 بشأن تأسيس نظام إذاعي في المملكة العربية السعودية وهذا نصه:
من عبد العزيز آل سعود إلى جناب المكرم الابن فيصل- سلمه الله - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد: فقد عرض علينا الجماعة موضوع الإذاعة في جدة ونحن نرى فيها ما يأتي:
أولاً: ينتخب مدير أو مستشار مسؤول أمام الحكومة عن محطة الإذاعة وما يذاع فيها من برامج، وعن الأعمال الإدارية وهي تهيئة المقالات والأخبار التي ستذيعها وتدقيقها وتمحيصها والعمل على تحسين هذه البرامج وتمرين المتعاونين وتدريبهم على هذه الأعمال.
ثالثاً: بث نشرات الأخبار الخارجية كما هي، مع عدم شتم أحد أو التَّعرض لأحد أو المدح الذي لا محل له (9). ويلاحظ في تناول الأخبار الداخلية الحرص على الواقعية، كما وجه الملك عبد العزيز- رحمه الله - بالالتزام بعادتنا في السكوت على ما اعتدنا السكوت عليه ونشر ما اعتدنا نشره، وينظر فيما يمكن إذاعته من القرآن الكريم والمواعظ الدينية والمحاضرات التاريخية عن الإسلام والعرب، صدر في 23 رمضان المبارك 1368هـ/ 28 يوليو 1949م، وفي يوم 13 رجب عام 1368هـ الموافق 11 مايو 1949م تم في مبنى السفارة السعودية بالقاهرة، توقيع عقد بين كل من المملكة العربية السعودية وشركة إنترناشيونال إلكترونيك كوربوريشن وهي مؤسسة أمريكية تابعة (للشركة العالمية للتليفزيون والتلغراف)، يقضي بتركيب نظام الإذاعة بالإضافة إلى تولي مسئولية التشغيل والصيانة.
* ذ - الإرسال الإذاعي الرسمي:
كان الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية (10)، حينذاك ممثلاً للحكومة السعودية مع السيد عبد الحميد غنيم (رئيس دوائر الراديو والتلغراف والتليفون في مصر)، والمستشار وقتها للحكومة السعودية في مفاوضاتها مع تلك الشركة، قد أعدَّ المشروع اللازم لتأسيس الإذاعة، وبدأ الإرسال الفعلي المستمر لإذاعة جدة يوم الأحد 9 ذي الحجة 1368هـ الموافق أول أكتوبر 1949م، وهو يوم الوقوف بعرفة، وقام الأمير فيصل بن عبد العزيز بإلقاء كلمة نيابة عن والده الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه -، تضمنت الترحيب بقدوم الحجيج إلى الأراضي المقدسة وتهيئتهم للبدء في مناسك الحج، ويُعتبر هذا اليوم بداية انطلاق أول إرسال إذاعي رسمي من مدينة جدة، لأول مرة في تاريخ المجتمع السعودي، ويعتبر هذا اليوم بداية انطلاق أول إرسال إذاعي رسمي من مدينة جدة لأول مرة في تاريخ المجتمع السعودي، كانت المحطة تعمل على الموجة القصيرة ولا تتجاوز قوتها ثلاث كيلووات، واقتصرت في البداية على بث الأخبار الرسمية والبرامج الدينية مع إذاعة بعض الإنتاج الأدبي كالشعر والمقالة، وكانت مدة الإرسال لا تتجاوز الساعات الثلاث يومياً (11).
* ر - دور وسائل الإعلام:
ظهر واضحاً أهمية الإعلام لدى الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- بما يخدم حجاج بيت الله الحرام، ودور وسائل الإعلام من خلال الصحافة والإذاعة، في نقل الصورة الإيجابية، وتسهيل الخدمات اللوجستية والمعلوماتية مع بساطتها في تلك الأيام، أمام حجاج بيت الله الحرام، فالملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- لم يكن معتمداً على الإعلام كوسيلة لكسب ولاء مواطنيه في المملكة العربية السعودية، وإنما (اعتمد منذ بداية حكمه على التطبيق العملي للاتصال، وعلى الاحتكاك المباشر بالناس، وفي نظر الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- بأن هذه الخطوة الإيجابية في سياسته -رحمه الله- الداخلية والخارجية، ولاسيما ما يتعلق برعاية الحجاج وشرف الخدمة لهم وللحرمين الشريفين.
* ز - فكرة إنشاء الإذاعة:
وفي وثائق دارة الملك عبد العزيز بالرياض أن فكرة إنشاء الإذاعة السعودية في عهد الملك عبد العزيز تعود إلى الملك سعود بن عبد العزيز -رحمه الله- حين كان ولياً للعهد حيث عرض الفكرة على والده الذي وافق عليها، فمن فلسفة الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وحنكته السياسية إدراكه أنَّ خدمة الحرمين الشريفين، أبلغ أثراً لدى جميع المسلمين في الدول الإسلامية قاطبة، ومما كان يمُكن أن تؤديه الصحافة والإذاعة السعودية مجتمعة، كأهم الوسائل الإعلامية في عهده ، وربما كان من الصعب أن تجد زعيماً سياسياً في عصره قد أمتلك مثل هذه المهارة الاتصالية الفذة والمثمرة)، ومن آراء الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - على بعض الصحفيين (أنهم إذا دخلوا في جدل مع الكُتَّاب الأوربيين جادلوهم بالتي هي أحسن، وألاَنُوا لهم القول وانتقدوهم بهوادة، ولكنهم إذا دخلوا معنا في جدل انقلبت الآية، وجادلوا المسلمين بكذب وبهتان محشوا بالإقذاع(1)، والطعن والهجاء والانتقاد المر، البعيد عن أدب الجدل)(2).
* ص - أول مؤتمر إسلامي:
حملت المملكة همّ الأمة الإسلامية في بواكير توحيدها، من موقعها في قلب العالم الإسلامي وموقعها في قلوب المسلمين وخادمة وحاضنة لدور الحرمين الشريفين، ففي عام 1344هـ الموافق 1926م، وفي الوقت الذي كانت غالبية الدول الإسلامية تخضع تحت نير الاستعمار، دعا الملك عبد العزيز في أول اجتماع في تاريخ المسلمين للبحث في شؤونهم واقتراح طرق توحيد كلمتهم والنظر في مشكلاتهم، وكانت النتيجة أن لبى الدعوة دول ووفود إسلامية من مختلف الأقطار، توجه لهم الملك عبد العزيز بكلمة يذّكرهم فيها بالاعتصام والاجتماع على كلمة واحدة. قائلاً: «أيها المسلمون الغيَر، لعل اجتماعكم هذا، في شكله وموضوعه، أول اجتماع في تاريخ الإسلام، ونسأله تعالى أن يكون سنة حسنة، تتكرر في كل عام، عملاً بقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(3).
* ظ - نداء الملك عبد العزيز للأمة:
تسببت الحرب العالمية الثانية إلى قلة أعداد الحجاج حتى انتهت الحرب فعاودت الأعداد ارتفاعها من جديد، ولا شك أن من أسباب تزايد أعداد الحجاج دخول المنطقة تحت الحكم السعودي في منطقة الحجاز، وفي طريق مكة المكرمة والمدينة المنورة بصفة خاصة، قبل ما كانت عليه الظروف قبل عهد الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه-، والتي كانت تقطع فيها الطرق، مما أدى ذلك إلى شعور الحجاج بالخوف وعدم الأمان.
ومع تطور الخدمات المقدمة للحجاج في عهد الملك عبد العزيز، ومن أهمها إحكام السيطرة الأمنية على المنطقة بأكملها، كان ذلك مساعداً لزيادة أعداد الحجاج القادمة للأراضي المقدسة، وعندما كانت الحرب قائمة في الحجاز بين الملك عبد العزيز والشريف حسين، وعلى الرغم من دخول أغلب الموانئ الحجازية التي تقع إلى الشمال من مدينة جدة وإلى الجنوب منها تحت حكم الملك عبد العزيز، من إعلانه فتح البلاد للحج إلا أن أعداد الحجاج كانت منخفضة جداً؛ لأن مدينة جدة وهي ميناء مدينة مكة المكرمة الرئيس كانت محاصرة، وكانت مقاومة الشريف علي لا تزال مستمرة بها، وكان الملك عبد العزيز قد وجه نداء إلى المسلمين يعلنهم فيه: أن النظام قد ساد واستتب الأمن فيها، وأنه يتكفل بتأمين راحتهم والمحافظة على جميع حقوقهم، وتسهيل سفرهم إلى مكة المكرمة من أحد الموانئ الثلاثة (رابغ والليث، والقنفذة)، وذلك قبل أن يستولي على مدينة جدة، وعن الأوضاع الاقتصادية التي يشترط فيمن يريد أداء فريضة الحج أن تكون لدية القدرة المالية على ذلك؛ ولذلك فإن توافر المال من أهم الأمور التي تساعد الحاج على أداء فريضة الحج.
* * *
الهوامش:
(1) جريدة الرياض؛ الثلاثاء 16 رجب 1436 ه الموافق 5 مايو 2015م - العدد 17116؛ واس، الرياض، بتاريخ 19 جمادى الآخرة، 13 فبراير 2020م.
(2) الحمدان؛ عبد الله بن سليمان بن حمد، (1302 - 1385ه) الموافق (1884 - 1965م)، ولد في عنيزة، في 1301هـ/ 1884م، خريج مدرسة الملك عبد العزيز، كان -رحمه الله- إدارياً وسياسياً ناجحاً، يعمل بمعدل 18 ساعة يومياً، لقب بالوزير السعودي الأول، بموجب مرسوم ملكي صدر في 11-4-1351ه الموافق 10-7-1932م، كان يشغل منصب «أمين خزانة الدولة» كما كان أول وزير للمالية في تاريخ المملكة، جريدة البلاد السعودية، 25 ذو الحجة 1430ه الموافق 14 ديسمبر 2009م، وكان زميله في الدراسة الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع، أول من تولى رئاسة المعارف عند إنشائها.
(3) الشبيلي؛ عبد الرحمن بن صالح، الملك عبد العزيز والإعلام - دراسة توثيقية لبدايات الاتصال السعودية، مكتبة الملك فهد الوطنية، الطبعة الأولى، الرياض، 1424هـ/ 2003م، ص 35؛ كريم بدر أحمد، نشأة وتطور الإذاعة في المجتمع السعودي، تهامة للنشر والإعلان، الطبعة الأولى، جدة، 1402هـ/ 1982م.
(4) الإقذاع: في اللغة العربية الشتم بالكلام السيء والفاحش، ويشمل الألفاظ البذيئة والكلمات النابية التي تتجاوز حدود الأدب واللياقة.
(5) جريدة (أم القرى) العدد (283) في 6-12-1348هـ (5-5-1930م)، عدد خاص صدر في موسم حج ذلك العام.
(6) سورة المائدة، الآية 2.