اللواء الركن م. د. بندر بن عبدالله بن تركي آل سعود
سعدت كثيراً بمنح مؤتمر «رسالة الإسلام» أثناء انعقاد دورته السادسة في العاصمة الباكستانية إسلام أباد مؤخراً، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء القوي بالله الأمين، جائزة «قائد السلام العالمي».. أقول، سعدت كثيراً بهذا التكريم المستحق لرجل السلام في الشرق الأوسط، بل في العالم كله، غير أنه حقَّاً وصدقاً، لم يكن في الأمر أية مفاجأة؛ بل المفاجأة كانت ستحدث إن مُنِحَت هذه الجائزة لشخص غيره، مع كل احترام وتقدير للجميع، فيما سموه الكريم هو الذي يستحقها بجدارة دونما أي منازع.
وصحيح أيضاً، بلادنا تستحق كل خير، وقادتنا الكرام يستحقون كل خير، غير أن الأمر لم يكن محض عاطفة، بل هو تكريم صادف أهله، تقديراً لتلك الإنجازات الفريدة التي حققها الرجل، على كافة المستويات: محلياً، إقليمياً وعالمياً، أوجز أهمها في ما يلي:
على المستوى المحلي، استطاع بحكمة القادة الكبار، والأبطال الأفذاذ، النأي ببلادنا عن أتون الحرب الإيرانية، إذ لم يسمح في إقحام بلادنا في هذه المعمعة التي هو أول من أدرك أنها خاسرة، كما سيأتي لاحقاً.
كان لشفاعة سموه لدى كل من روسيا وأوكرانيا، قبول كبير لإطلاق سراح الأسرى لدى الجانبين في مرحلة ما من هذه الحرب التي ما زال رحاها يدور بينهما، فأدخل الفرحة على عائلاتهم، وثمَّن له العالم كله هذه اللفتة الإنسانية البارعة، التي لم يبادر لها غيره؛ ففيما الآخرون منهمكين في إذكاء نار الحرب، و صب الزيت على النار، كان سموه الكريم يسعى لإطفاء تلك النار المشتعلة، بكل ما أوتي من قدرة وسعة حيلة، التي يخسر فيها الجميع لا محالة.
كان أول قائد في العالم يُعْنَى بوضع حدٍّ للنزاع في السودان بين الإخوة المتقاتلين، حقناً للدماء، وصوناً للأعراض، وحفاظاً على حقوق الناس وممتلكاتهم، وسعياً للمحافظة على وحدة تراب البلد، الذي طالما أضنته الصراعات التي أدت إلى تقسيمه إلى سودانين، أصبحا أعداء بعضهما البعض للأسف الشديد، بدل التعاون على مصلحة الشعوب. فدعا لمؤتمر جدة الذي كان سيضع حدَّاً لهذه الحرب الشعواء التي أهلكت الحرث والنسل، وما تزال الدماء تسيل غزيرة بسببها حتى اليوم، والعروض تُنْتهك، لو لا تمترس كل من الإخوة المتحاربين عند رؤيته لكيفية حل النزاع، فكل منهما يجر النار لقرصه كما تقول العرب.
ومع هذا، عندما أدرك خطورة الأمر الذي قد يتجه إلى تهديد وحدة السودان، انحاز سموه الكريم لإرادة الشعب الذي يؤيد قيادته، ضد المؤامرات الأجنبية التي بذلت أكثر مما في وسعها لتهديد أمن السودان واستقراره ووحدة أراضيه، الأمر الذي يهدد أمن المنطقة كلها، بل ربما هدد أمن العالم واستقراره، لما يمتاز به السودان من موقع إستراتيجي. فالذي يعرف سموه الكريم عن قرب، يدرك أنه ليس في قاموسه منطقة رمادية، فهو حازم حاسم عازم، يحرص دوماً على تسمية الأشياء بأسمائها ووضع النقاط على الحروف. وقد فعل هذا حتى داخل البيت الأبيض كما سيأتي لاحقاً. ففيما يذهب كثير من قادة العالم شرقيه وغربيه إلى البيت الأبيض لأداء فروض الطاعة، يذهب سموه الكريم ليقول بصوت عالٍ: هذا لنا نحن، وهذا لكم أنتم.
جهوده في تسوية الأمر، ووضع حدٍّ للخلاف بين الإخوة المتحاربين في اليمن، لا تخطئها إلا عين الحاقدين الحاسدين. لكن عندما أصرَّ الحوثيون على موقفهم ونيتهم المبيتة لاختطاف الدولة وتهديد أمن المنطقة، رافضين بشدة الوصول إلى كلمة سواء، في إصرار شديد للسيطرة على البلاد وإقصاء الآخرين، ساعتئذٍ لم يكن بدٌّ من أن تصبِّحهم خيل السعوديين الجامحة، فكانت عاصفة الحزم، للجم غرور الحوثيين وإفشال مساعيهم التي تدعمها جهات خارجية معلومة لدى الجميع بالضرورة، تماماً كما هو الحال في السودان الجريح.
وكما هو الأمر في حالة السودان، عندما تأكد لسموه الكريم سعي جهات خارجية لتقسيم اليمن الذي كان ذات يوم سعيداً، لم يكتفِ بالمراقبة عن بعد، والتعبير عن الشعور بالقلق، أقول: لم يكتفِ سموه الكريم بالمراقبة عن بعد، بل أرسل رسالة حازمة حاسمة في رشقات سريعة قوية شديدة التأثير كعادته دوماً، كانت رسالة صريحة بعدم السماح بجر المنطقة إلى فوضى تهدد الأمن والاستقرار والسلام، مهما كلف الأمر.
وضعت شفاعته لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء زيارته الأخيرة للسعودية، حدَّاً للعقوبات على سوريا الشقيقة، ليسمح لها بالانطلاق في ظل قيادتها الجديدة، والعودة إلى حضن الأمة العربية، والأمم المتحدة، لتمارس دورها الطبيعي مع بقية دول العالم.
وفي البيت الأبيض وللدفاع عن الحقوق الفلسطينية أثناء زيارته الأخيرة لأمريكا أعلن: ألَّا سلام ولا كلام ولا تطبيع مع الكيان، إلا بعد قيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، دولة فلسطينية كاملة الدسم، بسيادتها على أراضيها وجيشها وسلاحها، وعلاقاتها الخارجية مع العالم حسبما ترى؛ فكان في إعلانه هذا من داخل البيت الأبيض، بجوار الرئيس ترامب، قطع لألسنة أولئك الحاقدين الحاسدين.
من جهة أخرى، طالما نصح سموه الكريم الأمريكيين بالسعي بجد للتوصل لاتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي بالطرق الدبلوماسية، بعيداً عن فوهة البندقية، محذراً بصراحته المعهودة من حتى مجرد التفكير في شن حرب على إيران، لإدراكه مخاطرها ليس على المنطقة فحسب، بل على العالم كله. وها هو العالم اليوم يعض أصابع الندم على عدم سماع نصيحة صاحب الرؤية النافذة والفكر المتقدم بكبح جماح أمريكا، ويتحسر على ما آلت إليه الأمور من فوضى عارمة، أثرت على الجميع.