خالد الأنصاري
لقد أحسن القائمون على ندوة الشيخ عبدالله العقيل -رحمه الله- أيما إحسان؛ باستضافة قامة من قامات العلم، ورجلٌ من رجالات الدولة؛ وعالمٌ من العلماء العاملين والراسخين في العلم والمعرفة والدعوة؛ ألا وهو شيخنا العلامة معالي الشيخ د. صالح بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ -حفظه الله- في لقاء ماتع، ومجلس عامر، بالحديث عن أهم كتابين، والمصدر الثاني، من مصادر التشريع الإسلامي، السنة النبوية، وهما «الصحيحان» البخاري ومسلم:
بينَ « الصحيحين» تغدو في خمائلها
كَمَا غَدَا الطَّلُّ فِي إِشْرَاقِهِ الضَّافِي
وقد عقد شيخنا في هذا اللقاء موازنة ماتعة بين البخاري ومسلم من خلال التعريف بالحديث الصحيح، وذكر عدة مسائل وفرائد تتعلق بذلك أجملها في النقاط التالية:
تعريف الحديث الصحيح وشروطه:
ذكر شيخنا بأن كتب علوم الحديث، وكتب المصطلح عند المتأخرين، ترجع إلى أنَّ الحديث الصحيح هو «الحديث الذي اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، وكان سليماً من الشذوذٍ والعلَّة القادحة».
فالحديث الذي اتفق على تسميته حديثاً صحيحاً هو ما كان بهذه الأوصاف عند المتقدمين والمتأخرين.
- شروط الحديث الصحيح:
1 - اتصال السند.
2 - عدالة الرواة.
3 - الضبط والإتقان.
4 - السلامة من الشذوذ.
5 - السلامة من العلل القادحة.
تعريف موجز بأصحاب الصحيحين:
- الإمام البخاري -رحمه الله- هو أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بَردِزْبَه البخاري الجعفي، مولاهم، المولود سنة (194هـ) والمتوفى سنة (256هـ).
- الإمام مسلم - رحمه الله- هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القُشيري - من أنفسِهم - النيسابوري.
وقولي: «من أنفسهم» تعبيرٌ على أنه من بني قُشير صَلِيبةً، وليس بالولاء، وبنو قشير موجودون بين الباحة والطائف، فهو عربيٌ من الجزيرة، ولذلك تجد في خُطبته في أول كتابه، في مقدمة كتابه، القولَ الفصيح العالي، وكأنَّ محمد بن إدريس الشافعي المكي هو الذي يتكلم.
عناوين الصحيحين:
انتدب البخاري نفسه لجمع كتابه العظيم الذي أسماه: «الجامع المسند الصَّحيح المختصر من أمور رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم وسننه وأيَّامِه».
وهذا الاسم هو اسمُ كتاب البخاري.
ومسلمٌ قريبٌ منه، سمى كتابه: «المسند الصَّحيح المختصر من السُّنن بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم».
أهمية مقدمة مسلم:
مقدمة «الصحيح» مهمَّة، لازم تقرؤونها، فيها من العلم الكثير الكثير.
أهمية «الصحيحين» وشروطهما:
وهما كتابان عظيمان، واشتراطُهما للصِّحة في الحديث متقاربٌ للغاية، وبينهما اختلافٌ في شروط الصحة عند البخاري، يعني: فيما يصحُّ فيه الحديث، سواءٌ في المتن أو في الرِّجال.
البخاري له طريقة، ومسلم له طريقة، وهو ما يُسمَّى عند أهل العلم : الخلاف في الإسناد المُعنعن، لمن صحَّت صحبتُهما والتقاؤهما، ولم يرد في حديث أنه سمع منه.
البخاري شرطه كشرط علي بن المديني، وهو الذي ذكره علي بن المديني - وهو شيخ البخاري - في كتابه «العلل»، وهو موجود مطبوع.
ذكروا أنه لا يمكن أن نقبل الرواية - لأنها أمانة إلّا أن يكون الراوي قد نُقل أنه سمع من شيخه، لا بدَّ أن يكون معروفاً أنَّه عاصره والتقاه.
أما مسلم فيقول: لا، يكفي أنَّه عاصره، أنَّهما كانا في زمانٍ واحدٍ، هذا في مكة وهذا في المدينة.
أما البخاري فيشترط أن يكون هناك لقاءٌ ومصاحبة طويلة وسماع، ومصاحبةٌ طويلة، قيلت بالاستنتاج، ولكن في الأكثر : مصاحبةٌ وتأكُّد.
تبويب وترتيب الصحيحين:
و «صحيح مسلم» رحمه الله تعالى كتابه مرتب على شكل كتب، وليس أبواباً، يعني مثلاً: كتاب الإيمان، كتاب الصَّلاة، كتاب الزَّكاة، كتاب الإمارة لكن بعد ذلك ليس فيه تبويب.
والتبويب الذي عندكم في الطَّبعات ممَّا أُدخل على «صحيح مسلم»، أدخله محمد فؤاد عبدالباقي تبعاً ليحيى ابن شرف النووي، وتبعاً للقاضي عياض، وشارحي مسلم أدخلوا تبويبات تيسيراً.
أما البخاري فإنَّه يقطِّع الأحاديث، يعني: الحديث الواحد تجده في سبعة مواطن، مثل حديث: «إنما الأعمال بالنٍّية، وإنَّما لامرئ ما نوى»، افتتحا به «صحيحه»، وأورده في سبعة مواضع في الكتاب لماذا؟ لأنَّ البخاري أراد بكتابهِ: فقهَ السُّنن.
فإذن : البخاري كتابُ علم، وكتابُ فقه.
نقول : البخاري كتابٌ أقعدُ في ضبط الأسانيد والمتون، ومعرفة العلَّة.
أمَّا مسلم فقد جعل كتابهُ مقسماً على ثلاث طبقاتٍ -كما قال في المقدِّمة-، فيورد في الأصول الأحاديث المضبوطة السَّالمة، التي هي في علِّيَّة الإتقان والضَّبط والسَّلامة، ثم يأتي ثانياً بما هو أقل منها، متوسِّطة، ثمَّ الثَّالثة بالمنكر والمطروح لبيان معناه.لكنَّه عند التَّأليف لم يورد إلَّا القسم الأوَّل والثَّاني، الذي يسمِّيه العلماء: الفصول والشَّواهد.
خُلُوْ «الصحيحين» من المراسيل إلَّا ما ندر:
فـ «صحيح البخاري» و»صحيح مسلم»، كما هو ظاهرٌ من الاسم، ليس فيهما مراسيلُ ولا مقاطيع، يعني: لم تكن مقصودةً بالتَّأليف، وإن وُجد في البخاري بعضها تعليقاً، ووُجد في مسلم ستّة أو نحوها من المقاطيع.
منزلة و مكانة «الصحيحين»:
أجمع العلماء أنَّ «صحيح البخاري» فاقَ «صحيح مسلم»
في الصِّحَّة؛ فالبخاري أصحُّ من «صحيح مسلم»، ومسلم أفضلُ في التَّرتيب، لكن في الصِّحَّة: البخاري دقيق، دقيق، ولا يورد إلَّا الطَّبقة العليا من أهل الضَّبط والإتقان فيما رووه، وليس المقصود أهل الحفظ فقط؛ بل أهل الضَّبط والإتقان فيما رووه.
وهذه المسألة كتب فيها الحافظ بن رُشيد الفِهري السَّبتي كتابه الجميل الممتع - ممتع لا تملُّ منه - وهو كتاب «السًنن الأبين في المحاكمة بين الإمامين في السَّند المعنعن».
علم البخاري بـ«العلل»:
والبخاري أعلمُ من مسلم بعلل الأحاديث.
جاء مسلمٌ إلى البخاري مرَّة وحدَّث عنده بحديث كفَّارة المجلس، وقال: إنَّه صحيح. فقال البخاري: فيه «علَّة». يقولها لمسلم.
فاطَّرح مسلمٌ بين يدي البخاري، وقال: «يا أستاذ الأستاذين، ويا طبيب الحديث في علله، أفدني». فبيَّن له علَّته.
فصدر عنه وهو تلميذه، تلميذه مدةً طويلة، لازمَه وأخذ عنه.
البخاري فاق نظراً في معرفة العلل وتجنيبها للصَّحيح، وأمَّا مسلمٌ فلم يكن بذاك القدر، يعني: هو في القمَّة، هو عالمٌ حافظٌ بالعلل، وله كتاب «التَّمييز»، لكن ليس بقدر البخاري في ذلك.
ولذلك أورد أحاديث لا يزال العلماء يحكمون بأنَّ فيها عللاً مثل حديث الجسَّاسة حديث تميم المعروف.
فالبخاري في العلل لا يتسامح بعلَّةٍ في السَّند، ولا بعلَّةٍ في المتن. هذا فيما اتَّصل سنده.
عناية العلماء بـ«الصحيحين»:
ومعلومٌ أنَّ «صحيح البخاري» مرويٌّ، رواه عنه جماعةٌ كثيرون عن البخاري، أشهرُهم الفِرَبْري، وقد رواه عن البخاري، والفِرَبْري قرأهُ على الإمام البخاري عدَّةَ مرَّات، وسمعه منه مرَّاتٍ كثيرة، وجماعةٌ غير الفِرَبْري، وحمّاد بن شاكر، وله زياداتٌ في رواية البخاري على الفِرَبْري معروفة. وعن الفِرَبْري -لأنَّه تأخَّر عمره- رواه جمعٌ، ثمَّ جمعٌ، ثمَّ جمعٌ، واشتهر في الأمَّة برواية الآلاف عن الآلاف رووا «صحيح البخاري».
أمّا «صحيح مسلم»، فهو من حيث الرِّواية أضعف من «صحيح البخاري».
هو صحيحٌ مدوَّن، وقرأهُ وراجعَه تلميذُ الإمام مسلم، وهو الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، قرأه وراجع عليه من أوَّله إلى آخره، ولكن فاته منه ثلاثة مواضع، مواضع لا أحاديث، بعضها صفحتان أو ثلاث، وبعضها خمس، وبعضها أكثر؛ مَلْزَمة لم يروها عن مسلم، وإنَّما أخذها وِجادة، أخذها إجازةً بالنًّقل، لكن لم يروها.
أمَّا البخاري فليس فيه حديثٌ إلَّا مرويٌّ بعددٍ كبيرٍ من أهل العلم، وكلُّ حديثٍ فيه، حتَّى بالزِّيادات التي رواها حمَّاد بن شاكر، مرويةٌ عنه بعددٍ من الروايات.
ومع أنَّ أصل البخاري -أصل البخاري بعد ما قرأه الفِرَبْري- كلُّ هذه القراءات سلَّمه له، أصل البُخاري الذي بيده سلَّمه له، وظلَّ الفِرَبْري يحدِّث به أربعين سنة أو أكثر، وهو يحدِّث به عن البخاري.
الطعن في الصحيحين:
أجمع المسلمون على أنَّ مَن طعن في «صحيح البخاري» أو في «صحيح مسلم» فإنَّه يتَّهم في دينه، يعني: طعن في الكتاب جملةً.وأمَّا من قال: «الحديث الفلاني فيه شيء، الحديث الفلاني معارَض، الحديث الفلاني..» فهذا يُجاب بالعلم فيما يتعلّق بهذه الأحاديث.أمَّا الطَّعن بهما جملة، أو بأحدهما جملة، فهو من صنيع أهل الإلحاد والزَّندقة.
والدِّفاع عن البخاري واجبُ الدِّين؛ لأنَّ الإسلام ما هو ؟ القرآن والسنَّة، وأعلى ما في السنَّة: «صحيح البخاري» و»صحيح مسلم».
خاتمة الموازنة:
إذن هذه الموازنة تُعطيك أنَّ أهل العلم في حفاوتهم بـ»صحيح البخاري» و»صحيح مسلم» حفاوةً عظيمةً جداًّ؛ لأنَّ هذين الكتابين قد فَلاهما العلماء حديثاً حديثاً، وراوياً راوياً، وأظهروا كلَّ ما فيهما.
فصار أمرُ أهل العلم جميعاً في الأمَّة، من جميع المذاهب، ومن جميع الفئات من أهل السُّنَّة، أنَّهم أقرُّوا لهذين الكتابين بالصِّحَّة على غيرهما من الكتب، وأنهما أصحُّ الكتب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا إجماعٌ من أهل العلم، ليس إجماعَ زمنٍ، بل زمنٌ عن زمنٍ، عن زمنٍ، عن زمنٍ.
ومسلمٌ ما له إلَّا هذه الرواية، ويرويه أهلُ المغرب روايةً أخرى ليست مثل رواية إبراهيم بن محمَّد بن سفيان، وهي رواية القابسي، وهي موجودة، ولكن ليست بهذه القوَّة. ويرويها أهل مصر عن القابسي.
وأمَّا رواية إبراهيم فهي التي عليها مدار رواية مسلم، والشُّروح، والنَّقل، والاعتماد، إلى آخره.
إذن تلخَّص لنا أنَّ ما أجمع عليه العلماء من أنَّ الحديث الصَّحيح الحجَّة عن النَّبيِّ صلّ الله عليْهِ وسَلّم هو: ما اتَّصل إسنادهُ بنقل العدل الضَّابط عن مثلِه -يعني عن العدل الضَّابط- إلى منتهاه، من غير ما شذوذٍ ولا علَّةٍ قادحة.
فهو على الغاية في «صحيح البخاري»، وهو على الغاية التي هي أقل من الغاية الأولى في «صحيح مسلم».وفي نهاية هذا المجلس المبارك من مجالس العلم والحديث أشكر شيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ على هذا الإثراء العلمي النافع عن الموازنة بين «الصحيحين» ومكانتهما، وعن عناية الإمامين البخاري ومسلم في انتقاء الأحاديث الصحيحة.. فكم اشتقنا للقاء شيخنا.. ولمجالسه العلمية.. ولحديثه العذب:
مجالسُ العلمِ تروي كل قصتنا
إن قلتَ حدثنا يحيى وسفيانُ
إضاءة:
أثر عن ابن عباس -رضي الله عنه-: «أنه كان يختم مجالسه بالشعر»، وقد بعث إليَّ أخي الأستاذ الشاعر عبدالمجيد العُمري هذه القصيدة والتي كتبها بمناسبة لقاء شيخنا -حفظه الله- في هذه الندوة المباركة ويقول في مقدمتها:
إنَّ من أجمل الوفاء أن يُخلد ذكر العلماء بالشعر أو النثر، وأحسب أن معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد آل الشيخ ممن يستحقون تخليد ذكرهم والتعريف بفضلهم، فهو قامة علمية وفكرية فذة، والحديث عنه هو حديث عن إرثٍ علمي عريق يمتد بجذوره في التاريخ، ممتزجاً بعقلية معاصرة ومنضبطة.
في ندوةٍ للشيخ ابن عقيل
نحظى بكل مبجلٍ وجليلِ
كالشيخ صالح من تسامى قدره
بالعلم نحسبهُ إمام الجيلِ
في الفقه والتوحيد كان مبرزاً
وبسنة الهادي وفي التنزيل
حازَ المَعارِفَ كابِراً عَنْ كابِرٍ
فِي مَنْبَتٍ لِلْمَكْرُماتِ أَصيلِ
هذا سَلِـيلُ الشيخِ مَنْ شادُوا الهُدى
بالبر والتقوى بلا تضليلِ
عَقْلٌ رَزينٌ فِي المَواقفِ حازِمٌ
وَلِسانُ صِدْقٍ صاغَ كُلَّ جَميلِ
يَبْنِي الفُهُومَ عَلى قَواعِدِ مَنْ مَضَوْا
بِتَـفَـكُّـرٍ وَتَـدَبُّـرٍ و دليلِ
يَسْقِي العُقُولَ مِنَ البَيانِ نَميرَهُ
كالنهرِ إرواءً لِكُلِّ غَليلِ
للهِ دَرُّهُ مِنْ حَكـيـمٍ ناصِـحٍ
أَحْيا بِعِلْمِهِ مَنْهَجَ التَّأصيلِ
يا ربِّ بارِكْهُ وَسَدِّدْ خَطْوَهُ
وَفِّقْهُ يا رَبِّي لِكُلِّ فَضيلِ