د. حمد بن عقلا العقلا
استكمالا للنقاش حول المضامين التي وردت في مقال الأستاذ عبدالوهاب الفايز الذي نشر بهذه الجريدة بعنوان «350 ألف خريج.. هل لدى هؤلاء .. إلخ» بتاريخ الأربعاء 6 مايو الماضي.
هنا نقول إن هذا المقال حقاً يلامس جوهر الإشكال الحقيقي، لأنه تجاوز القراءة السطحية التي تُحمّل التخصصات الجامعية أو الخريجين وحدهم مسؤولية البطالة، واتجه نحو أصل الخلل: ضعف الترابط البنيوي بين التعليم والاقتصاد وسوق العمل. وهذه نقطة جوهرية كثيراً ما تُغفل في النقاش العام.
فـ350 ألف خريج سنوياً ليس رقماً مقلقاً بالمعيار الاقتصادي لدولة بحجم المملكة العربية السعودية، خصوصاً إذا ما قورن باتساع الجغرافيا، وضخامة الإنفاق التنموي، وقلة الكثافة السكانية الوطنية قياساً بالمساحة والموارد. فالإشكال ليس في «وفرة البشر»، بل في «طريقة إدارة توظيف البشر». وهنا يكمن الفرق بين اقتصاد يستهلك النمو، واقتصاد يصنع النمو عبر الإنسان.
المشكلة خلال العقود الماضية لم تكن في نقص الخطط، بل غلبة «التنمية غير المتوازنة» وتركّز النشاط الاقتصادي والخدمات النوعية والفرص الكبرى في نطاقات جغرافية محددة، بينما بقيت أجزاء واسعة من الوطن أقل قدرة على توليد الوظائف النوعية، رغم امتلاكها ميزات زراعية أو صناعية أو لوجستية أو سياحية أو تعدينية ضخمة.
ولذلك فإن إعادة توزيع المشاريع والاستثمارات والجامعات النوعية والمراكز الصناعية على المناطق الثلاث عشرة لم تعد ترفاً تنموياً، بل ضرورة اقتصادية وأمن اجتماعي واستدامة وطنية.
كما أن المقال أصاب حين أشار إلى «تعثر النفاذ لسوق العمل». فالسوق السعودي لا يعاني فقط من فجوة مهارات، بل يعاني أيضاً من:
* ضعف المواءمة بين الجهات التعليمية والقطاعات الاقتصادية.
* بطء التحول من التعليم إلى الإنتاج.
* بيئات عمل طاردة للكفاءات الوطنية أحياناً.
* تضخم بعض الأنشطة منخفضة القيمة المضافة.
* اختلال التوازن بين الاستقدام والتوطين النوعي.
* ومحدودية المسارات المهنية المرنة للشباب في بداية حياتهم العملية.
ومن هنا فإن الحل لا يكون بإغلاق التخصصات أو تقليص التعليم الإنساني، لأن الأمم لا تُبنى بالمهندس وحده ولا بالطبيب وحده؛ بل تُبنى أيضاً بالمفكر والمخطط والباحث والمربي وعالم الاجتماع واللغة والتاريخ. المشكلة ليست في التخصص، بل في غياب «الاقتصاد المنتج للمعرفة» القادر على تحويل كل تخصص إلى قيمة مضافة داخل دورة التنمية.
الحل الحقيقي يتطلب إعادة هندسة العلاقة بين:
«الدولة - التعليم - الاقتصاد - سوق العمل».
وذلك عبر تدخلات عملية عاجلة، من أهمها:
1 - إعادة صياغة الهيكل التنموي الوطني لتحقيق توازن اقتصادي حقيقي بين المناطق.
2 - تحويل الجامعات إلى مراكز إنتاج وابتكار مرتبطة مباشرة باحتياجات الاقتصاد المحلي لكل منطقة.
3 - بناء منظومة وطنية دقيقة لاستشراف الوظائف المستقبلية قبل فتح أو تقليص التخصصات.
4 - إعادة تنظيم سوق العمل بما يرفع جاذبية المواطن في القطاع الخاص مهنياً واستقراراً ودخلاً.
5 - التوسع في الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي: الصناعة، الزراعة، التقنية، الخدمات اللوجستية، والسياحة النوعية.
6 - رفع كفاءة الحوكمة ومحاسبة الجهات التي لا تحقق مستهدفات التوطين والتنمية البشرية.
7 - إنشاء مسارات مرنة للعمل الجزئي والتخصصي والتشاركي، خصوصاً للجيل الشاب.
8 - إعادة ترتيب الكفاءات القيادية والتنفيذية وفق معيار القدرة على الإنجاز لا مجرد الإدارة التقليدية.
9 - إعادة هيكلة التركيبة التنظيمية لمنشآت الاقتصاد الوطني، والتي يتجاوز عددها 1.3 مليون منشأة، حيث تستحوذ المنشآت متناهية الصغر وحدها على ما يقارب 85.5 % من إجمالي الكيان الاقتصادي، مقابل نسب محدودة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة والكبيرة والعملاقة.
هذا الاختلال البنيوي أوجد اقتصاداً متشظياً يحتاج رقع الكفاءة والإنتاجية، حتى يعزز قدرة سوق العمل على توليد الوظائف المستقرة والنوعية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم هذه المنظومة ضمن إطار علمي ومنهجي يرفع كفاءة المنشآت، ويعزز نموها التدريجي، ويربط الدعم والتمويل والتحفيز بمعدلات التوسع والإنتاج والتوظيف والاستدامة، بما يخلق توازناً صحياً في الهرم الاقتصادي الوطني، ويحوّل الكمّ العددي الهائل من المنشآت إلى قوة إنتاجية حقيقية قادرة على حمل جزء كبير من العبء التنموي والتوظيفي للدولة.
فالاقتصاد الحديث لا يُقاس فقط بحجم الإنفاق، بل بقدرته على «تحويل الإنسان إلى قوة إنتاج». وكل خريج يتأخر دخوله لسوق العمل لا يمثل خسارة فردية فحسب، بل خسارة تراكمية في الإنتاجية والاستهلاك والخبرة والاستقرار الاجتماعي.
ولهذا فإن القضية لم تعد قضية توظيف فقط، بل قضية: «إدارة وطن كامل لطاقته البشرية».
وكما أشار المتنبي:
«ولم أرَ في عيوب الناس شيئاً
كنقص القادرين على التمام»
فالمملكة تمتلك المال، والجغرافيا، والاستقرار، والموارد، والشباب، والطموح؛ وما ينقص هو تكامل الإرادة الإدارية مع الرؤية التنفيذية طويلة المدى، بحيث تُربط «العربة بالحصان» فعلاً، لا أن تبقى الخطط تسير أسرع من أدوات التنفيذ أو أبعد من واقع السوق.
إن هذا الملف يُعد من القضايا الوطنية المحورية التي شغلتني علمياً وبحثياً منذ وقت مبكر؛ إذ كانت رسالة الدكتوراه التي أعددتها عام 1990 بعنوان: «معوقات السعودة في القطاع الخاص السعودي»، وهي دراسة تناولت جذور الإشكال البنيوي في سوق العمل والعلاقة المعقدة بين التوطين والقطاع الخاص والسياسات التنظيمية والتنموية.
وفي هذا العام انتهيت كذلك من إعداد كتاب بعنوان: «تحديات السعودة.. الواقع والمأمول»، وهو حالياً تحت الطباعة، ويتناول قراءة تحليلية لمسار السعودة خلال العقود الماضية، وما واجهته من تحديات تنظيمية واقتصادية وهيكلية، مع طرح عدد من المعالجات والحلول المستقبلية الممكنة.
واخيراً، نجدد التأكيد على أننا بحاجة إلى تبني مشروع وطني جديد لعله يسهم بصورة جوهرية في معالجة مشكلة البطالة لعقود قادمة، عبر إعادة تنظيم العلاقة بين التنمية وسوق العمل والتوطين والإنتاجية الاقتصادية ضمن إطار وطني شامل. وهذا ما أعمل عليه استكمالا لمسيرة أكاديمية ومهنية في مجال التعليم والتدريب لأكثر من ثلاثة عقود.