عائشة الناجم
أخطر ما في غلاء المعيشة ليس الأرقام المرتفعة، بل ما يسلبه من الإنسان دون أن ينتبه وهو «القدرة على الاختيار».
لم تعد المشكلة في ارتفاع الأسعار وحده، بل في أثر هذا الارتفاع على حياة الناس اليومية فالأمر لم يعد مجرد أرقام بل تحوّل إلى واقع يحدّ من قدرة الإنسان على الاختيار.
في السابق كان الفرد يختار أين يسكن وماذا يشتري وكيف ينظِّم حياته أما اليوم فكثير من هذه القرارات لم تعد نابعة من رغبة، بل من ضرورة!
عندما يسكن الشخص في مكان أبعد فهو لا يفعل ذلك تفضيلًا بل لأن الخيارات الأقرب أصبحت أعلى تكلفة وعندما يقلّص مصروفه فهو لا يدير ميزانيته فقط، بل يحاول تجنب «الطفرة» وعندما يؤجل قرارات مهمة في حياته فهو لا ينتظر الوقت المناسب، بل ينتظر القدرة المالية التي لم تعد متاحة بسهولة.
بهذا الشكل تتحول الحياة تدريجيًا من مساحة من الخيارات إلى سلسلة من الالتزامات! في المقابل لا يواكب الدخل هذا الارتفاع في التكاليف فالإيجارات ترتفع وأسعار السلع والخدمات تتزايد، بينما يبقى الدخل محدودًا وهذا ما يؤدي إلى ضغط مستمر على الأفراد خاصة من هم في الطبقة المتوسطة.
الطبقة المتوسطة هذه الفئة تحديدًا وهي الغالبية العظمى من المجتمع تواجه وضعًا صعبًا فهي لا تمتلك دخلًا مرتفعًا يخفف عنها ولا تستفيد من الدعم بشكل كافٍ ونتيجة لذلك تعيش حالة من التوازن الصعب بين الاحتياجات والدخل.
ومع مرور الوقت يبدأ الناس في التكيُّف مع هذا الواقع! تنخفض التوقعات وتتغير الأولويات ويصبح ما كان يُعدّ أمرًا طبيعيًا في السابق أمرًا صعب المنال.
المشكلة لا تتعلق فقط بغلاء المعيشة، بل بتأثيرها على أسلوب الحياة نفسه! فحين تقلّ الخيارات تتغير طريقة التفكير ويصبح التخطيط للمستقبل أكثر تعقيدًا.
على المستوى الفردي لم يعد كافيًا الاعتماد على مصدر دخل واحد! فتنويع مصادر الدخل أصبح ضرورة لا خيارًا كما أن إدارة المصروفات بوعي والتمييز بين الحاجة والرغبة لم تعد مسألة تنظيم بل وسيلة للبقاء في توازن.
أما على مستوى الجهات المعنية فالمسألة تتطلب أكثر من مجرد متابعة! هناك حاجة إلى رقابة أكثر صرامة على الأسعار وشفافية في تسعير السلع والخدمات إلى جانب سياسات تدعم توازن العلاقة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
وبين هذا وذاك يبقى الوعي هو العامل الحاسم أن يدرك الفرد واقعه كما هو دون مبالغة أو إنكار وأن يتعامل معه بمرونة دون أن يفقد قدرته على التخطيط للمستقبل.
في النهاية: السؤال الذي يفرض نفسه:
هل ما زال الإنسان يعيش وفق ما يريد أم وفق ما تفرضه عليه الظروف؟
لأن الفرق بين الأمرين كبير وهو ما يحدد جودة الحياة الحقيقية.