فاطمة آل مبارك
قدّم فضيلة الشيخ خالد المهنا، إمام وخطيب المسجد النبوي في خطبته مادةً إيمانية ثرية تمحورت حول فقه الأسماء والصفات وأثره العميق في صياغة الشخصية الإسلامية. ولم تقف الخطبة عند حدود البيان العقدي، بل جاءت بوصفها خارطة طريق نفسية وعملية ترشد الإنسان إلى منابع السكينة، وتفتح له سبيل الحياة الطيبة في عالم يزداد اضطرابًا وتعقيدًا.
هذه الخطبة في جوهرها، ميثاق روحي يصل بين المعرفة الذهنية والطمأنينة النفسية، إذ تلامس حاجة الإنسان المعاصر إلى يقين داخلي يخفف من وطأة القلق ويمنحه معنىً أعمق لوجوده. وإعادة تعريف مفهوم «الفوز» بوصفه حالة تبدأ منذ لحظة معرفة العبد بربه، لا مجرد غاية مؤجلة إلى ما بعد انقضاء الحياة.
انطلقت الخطبة من حقيقة إنسانية جامعة: توق الإنسان إلى الحياة الطيبة، ومن هذه النقطة، خاطبت الوعي قبل العاطفة، حين ربطت السعادة بعبادة الله فالإنسان حين يعرف ربه بأسمائه وصفاته، تنكشف له حكمة الوجود، ويتحوّل خوفه من المجهول إلى السكينة بقراءة القرآن.
ويبرز استعراض آثار الصفات الإلهية على النفس البشرية بوصفه علاجًا معرفيًا متكاملًا فاستحضار صفات الرحمة واللطف يقي النفس من اليأس والقنوط، بينما يرسّخ التأمل في صفات العدل والعظمة معنى المسؤولية، ويكبح نوازع الغرور والطغيان. ومن هذا التوازن تنشأ شخصية مؤمنة تتسم بالاعتدال الشعوري، فلا يغلب عليها الرجاء حتى تستخف بالذنب، ولا يستبد بها الخوف حتى تنغلق على ذاتها، بل تسير إلى الله بمحركين متلازمين: الحب والتعظيم.
ومن أعمق ما انطوت عليه الخطبة دعوتها الضمنية إلى التحرر من الارتهان للمادة، فحين يدرك الإنسان أن الله هو الرزاق والكافي والوكيل، يتحرر من القلق الذي يستهلك روحه في ملاحقة المخاوف المعيشية، وهنا تتجلى المفارقة الإيمانية الكبرى: فكلما ازداد العبد افتقارًا إلى الله، ازداد تحررًا من ضغوط الدنيا وسطوتها، وأصبح أكثر سيادة على رغباته وأشد استقلالًا أمام إغراءاتها.
ختم الشيخ خطبته بالتأكيد على أن تدبر القرآن هو المختبر الحقيقي الذي يذوق فيه العبد ثمار هذه المعرفة. فالقرآن ليس مجرد أحكام، بل هو كتاب يعرّف العبد بربه، ومن هنا تنشأ «القوة الروحية» التي تمنح المؤمن توازنه في مواجهة الحياة.