مهدي العبار العنزي
ثمة لحظات في تاريخ الأمم تصبح هي الفيصل في إثبات أحقيتها بالريادة، ولعل أعظم هذه اللحظات في تاريخ الدولة السعودية هي تلك الوقفة التاريخية للملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- حين وضع اللبنة الأولى لنظام الحج الحديث. إنها قصة وطن لم يكتفِ ببسط السيادة على الأرض، بل تسابق ملوكه، جيلاً بعد جيل، ليكونوا هم «الخُدّام» الأوائل لأطهر البقاع.
ومنذ عهد الملك المؤسس، ومن بعده أبناؤه الملوك البررة -رحمهم الله جميعاً-، أصبحت «الاستقبالات الملكية السنوية» لبعثات الحج ورؤساء الوفود ومنظمة التعاون الإسلامي والعلماء، تقليداً سعودياً راسخاً يُقام في رحاب مكة المكرمة ومنى. هذا اللقاء السنوي الذي يحرص عليه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، ليس مجرد مراسم رسمية، بل هو جسرٌ للتواصل المباشر مع نبض الأمة الإسلامية، وتأكيدٌ متجدد في كل عام على أن المملكة هي البيت الجامع لجميع المسلمين، تسمع منهم وتعمل لأجلهم.
ويعود بنا الفخر إلى تلك الأيام التأسيسية، حين كان الملك عبد العزيز يستقبل الوفود في قصر السقاف أو في مخيمه بالأبطح ومزدلفة، معلناً ميثاق الأمان. لقد كان الرد السعودي على تحديات ذلك الزمن «عملاً» لا «قولاً»؛ حيث تم وأد «فتنة قطاع الطرق» إلى الأبد، واستُبدل الخوف بطمأنينةٍ أذهلت الحجاج الذين عادوا لبلدانهم ليرووا حكاية «الأمن السعودي» الذي جعل الحاج يسير لا يخشى إلا الله، في زمن كانت الصراعات تمزق بقاعاً كثيرة من العالم.
وإذا كانت القيادة ترسم النهج، فإن ما نشهده اليوم في عهد الحزم والعزم هو «الكمال» في التنفيذ. وهنا نقف إجلالاً لرجال أمننا البواسل والقوات المشاركة؛ فهم «سفراء الإنسانية» قبل أن يكونوا حماة النظام. إن المشاهد التي تنقلها شاشات العالم لعسكري سعودي يترك سلاحه ليحمل مسناً، أو جنديٍ يغالب التعب ليظل مظللاً ليد امرأة عجوز، هي التي تجسد روح الشعب السعودي الأبي. إنهم «قبضة الحزم» ضد كل من يحاول تعكير صفو الحج، و»لمسة الحنان» لكل من جاء ينشد القرب من الله لقد عشت هذا الفخر عندما كنت جنديا من جنود الحرس الوطني وشاركت مع زملاء اعزاء في خدمة ضيوف الرحمن.
ما تقدمه المملكة اليوم ليس «واجباً إدارياً»، بل هو «عقيدة راسخة». من قطار المشاعر إلى التوسعات التاريخية، وصولاً إلى التحول الرقمي الذي جعل من رحلة الحاج تجربة ميسرة وذكية. إن المملكة لم تبخل يوماً بمال أو جهد، بل سخرت كل مواردها لتكون رحلة الحج رحلة العمر.
ختاماً..
ستبقى المملكة العربية السعودية، بقيادتها التي تفتح أبوابها ومجالسها سنوياً لوفود الرحمن، وبرجال أمنها الذين نذروا أرواحهم للخدمة، وبشعبها الذي جُبل على المكارم، هي المنارة التي يستضيء بها العالم الإسلامي، والشاهد الحي على أن خدمة الحرمين الشريفين هي أعظم الأمانات وأسمى الغايات.
وكل سعودي في مملكة العز والشموخ يردد:
يا مرحبا باللي يشرف لقاها
بلسان شعب قالها ما لكنها
بركب الحجيج التايبه عن خطاها
والله عليم بسرها من علنها
حلو بامان المعتلي في سماها
يعطي العباد أرزاقها ما وزنها
حلو بدار سالم من نصاها
دار بها عاش الرسول وسكنها
مفتوحةٍ بيبانها لصدقاها
كثر المجموع الوافدة ما شحنها
حفظ الله هذا الوطن وولاة الأمر، ونصرالله جنودنا والله المستعان.