عمرو أبوالعطا
في لحظةٍ بدت فيها مصر وكأنها تعيد ترتيب صورتها أمام ذاتها، وتعيد تعريف علاقتها بالمستقبل بعد تحولات عاصفة، خرجت إلى الوجود مجلة تحمل اسمًا خفيفًا على اللسان، عميقًا في دلالته، كأنها تحية صباحية ممتدة عبر الزمن، أو وعد خفي بأن القادم يحمل إمكانية مختلفة، ومنذ تلك اللحظة لم تعد «صباح الخير» مجرد مطبوعة أسبوعية تضاف إلى أرشيف الصحافة المصرية، وإنما تحولت إلى كيان ثقافي نابض، يعكس تحولات المجتمع، ويشارك في صياغة وعيه، ويمنح القارئ مساحة يرى فيها نفسه، لا بوصفه متلقيًا، وإنما شريكًا في إنتاج المعنى.
تبدأ الحكاية قبل أن تُروى، فى السابع عشر من أبريل عام 1951، وقعت السيدة روزاليوسف (فاطمة اليوسف)، مؤسسة الدار وصاحبة الرؤية الثاقبة، خطاباً موجهاً إلى مدير قلم المطبوعات بمحافظة العاصمة، تفيده فيه بعزمها على إصدار مجلة أسبوعية جديدة تحمل اسم «صباح الخير». كانت روزاليوسف تدرك أن مجلة «روزاليوسف» السياسية، رغم نجاحها الطاغي، تحتاج إلى شقيقة صغرى تكون أكثر قرباً من قضايا الشباب والفن والحياة الاجتماعية، بعيداً عن صراعات الأحزاب والسياسة المباشرة التي كانت تغلب على المطبوعة الأم.
تأخر الميلاد، وظل المشروع فى طور الانتظار حتى استقرت ملامح مرحلة جديدة بعد يوليو 1952، ليأتي السابع عشر من يناير 1956 كموعد خروج العدد الأول. بدا المشهد أقرب إلى لحظة إعلان عن شكل مختلف للصحافة، غلاف يحمل روح لوحة، بريشة الفنان «زهدي»، يلمّح إلى التفاؤل، ويشير إلى انطلاق، ويؤسس لعلاقة جديدة بين القارئ والصورة. كتب إحسان عبد القدوس مقالاً بعنوان «البيت الجديد»، وصف فيه «صباح الخير» بأنها البيت الذي يفتح أبوابه لكل فكرة جديدة ولكل موهبة شابة لا تجد مكاناً في الصحافة التقليدية العجوز. كانت المجلة ترفض الوصاية الفكرية، وتؤمن بأن الشباب هم وقود التغيير، ولذلك كانت صفحاتها تمتلئ بالنقاشات حول الحب والحرية والفن والمستقبل، بجرأة لم تعهدها الصحافة المصرية من قبل.
في قلب هذا التأسيس، كان أحمد بهاء الدين العقل الذي صاغ الجينات الأولى للمجلة، حيث قدم نموذجًا للصحفي المثقف القادر على تبسيط الأفكار المعقدة دون أن يفقدها عمقها، فكانت كتاباته أشبه بحوار ممتد مع القارئ، يتدرج فيه المعنى، ويتكشف عبر جمل تحمل إيقاعًا هادئًا، وتفتح الباب للتفكير، دون أن تفرضه، ومن خلال هذا الدور، تحولت المجلة إلى مساحة تلتقي فيها العقول، وتتجاور فيها الرؤى، وتتولد فيها أسئلة جديدة.
وإذا كان الفكر قد منح المجلة عمقها، فإن الفن منحها روحها، إذ جاء حضور حسن فؤاد ليؤسس لرؤية بصرية جديدة، تجعل من كل عدد تجربة جمالية، حيث تتناغم الصور مع النصوص، وتتداخل الخطوط مع المعاني، في بناء بصري لا يقل أهمية عن البناء التحريري، أما صلاح جاهين، فقد منح هذه التجربة بعدها الإنساني، إذ استطاع أن يحول الكاريكاتير إلى لغة شعرية، تعبر عن الإنسان في ضعفه وقوته، في ألمه وسخريته، وتعيد تقديم الواقع من زاوية تكشف تناقضاته دون أن تفقد حسها الإنساني.
ومع انتقال المجلة عبر الزمن، لم تتوقف عند شكل واحد، وإنما ظلت في حالة تحول مستمر، حيث جاءت مرحلة فتحي غانم لتضفي عليها عمقًا أدبيًا واضحًا، فازدادت مساحة القصة القصيرة، وبرزت النصوص السردية، وتحولت الصفحات إلى مساحة تحتضن التجريب، وتقترب من الأدب دون أن تغادر الصحافة، في معادلة دقيقة منحت القارئ تجربة متعددة الطبقات، ينتقل فيها بين الخبر والنص الإبداعي دون شعور بالانفصال.
ثم جاءت مرحلة صلاح جاهين في رئاسة التحرير، فبدت المجلة كأنها تدخل زمنًا بصريًا بامتياز، حيث صعد الكاريكاتير إلى موقع الصدارة، وتحولت الصفحات إلى مسرح يعكس نبض الشارع، ويعيد صياغة الواقع بلغة ساخرة عميقة، فكان جاهين يقود التجربة بوصفه ملهمًا، يفتح الأبواب أمام الرسامين، ويمنحهم حرية تحويل التفاصيل اليومية إلى خطاب نقدي مكثف، فتشكلت في تلك المرحلة واحدة من أهم مدارس الكاريكاتير في العالم العربي، عبر أسماء مثل حجازي، وبهجت عثمان، وجورج بهجوري، والليثي، ومصطفى حسين، وناجي كامل، حيث حمل كل منهم زاوية مختلفة في النظر إلى الواقع، فتنوعت الأساليب، وتعددت المقاربات، دون أن تفقد التجربة وحدتها.
وفي مراحل لاحقة، برز دور لويس جريس الذي امتلك قدرة استثنائية على إعادة ضبط الإيقاع، واكتشاف المواهب، وضخ دماء جديدة داخل المجلة، فاستعادت جزءًا كبيرًا من بريقها، وبدت كأنها تعود إلى روحها الأولى، مع الحفاظ على خبرتها المتراكمة، وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال حضور مفيد فوزي، الذي شكّل حالة خاصة داخل تاريخ «صباح الخير»، حيث ارتبط اسمه بباب «نادية عابد»، ذلك الصوت النسائي الجريء الذي ظل لسنوات يعبر عن قضايا المرأة، وعن أسئلة الحب والعمل والحرية، قبل أن يُكشف أن هذا الصوت كان يخرج من قلم كاتب يمتلك قدرة فريدة على التقمص، وعلى التعبير عن الداخل الإنساني بلغة صادقة ومباشرة.
وعندما تولى مفيد فوزي رئاسة التحرير، حمل معه هذا الحس الحواري، فزادت مساحة اللقاءات الصحفية، وتحولت الحوارات إلى بناء درامي يكشف طبقات الشخصية، ويمنح القارئ فرصة الاقتراب من الإنسان خلف الصورة العامة، وفي الوقت ذاته، استمرت المجلة في تقديم أبواب جريئة مثل «زوجة أحمد» الذي كتبه إحسان عبد القدوس، حيث تم تناول العلاقة الزوجية من زاوية إنسانية عميقة، تكشف التوترات الكامنة داخل المجتمع، وتطرح أسئلة تتجاوز المألوف.
ومع تعاقب الأجيال، تولت رئاسة التحرير أسماء متعددة، مثل رشاد كامل، ومحمد عبد الله هيبة، ومحمد عبد النور، وجمال عنايت، وإيهاب نافع، وصولًا إلى أجيال أحدث حاولت إعادة تعريف دور المجلة في سياق إعلامي متغير، حيث لم يعد التحدي داخليًا فقط، وإنما أصبح مرتبطًا بمشهد إعلامي سريع الإيقاع، تحكمه التكنولوجيا، وتفرض عليه شروطًا جديدة.
في قلب هذه التحولات، ظلت «صباح الخير» حاضرة في اللحظات التاريخية الكبرى، حيث واكبت تحولات ما بعد الثورة، وعاشت صدمة 1967، وشاركت في استعادة الثقة خلال سنوات ما بعدها، واحتفت بلحظة العبور في 1973، وفي كل تلك اللحظات، لم تكتفِ بنقل الحدث، وإنما سعت إلى تفسيره، وإلى طرح أسئلة تتعلق بأسبابه ونتائجه، فكانت في لحظات الانكسار تقدم خطابًا يجمع بين النقد والأمل، وفي لحظات الانتصار تبحث عن المعنى الإنساني خلف الصورة.
ومع التحولات الاقتصادية والاجتماعية في السبعينيات، دخلت المجلة في حوار مع واقع جديد، حيث رصدت تغير القيم، وانتقدت صعود أنماط استهلاكية، ودافعت عن دور الثقافة في تشكيل الوعي، وفي الثمانينيات، ومع صعود تيارات متشددة، اختارت أن تظل وفية لفكرة العقل المنفتح، وأن تدافع عن حرية التعبير، وأن تقدم خطابًا يواجه الانغلاق بالفكر.
استمرت في دورها كحاضنة للإبداع، حيث احتضنت أجيالًا جديدة من الكتاب والفنانين، ومنحتهم مساحة للتجريب، فكانت أشبه بورشة مفتوحة، تتشكل فيها ملامح الأدب والفن، وتسهم في تجديد اللغة الصحفية، عبر جعلها أكثر قربًا من القارئ، وأكثر قدرة على التعبير عن تعقيدات الواقع.
ومع دخول العصر الرقمي، وجدت المجلة نفسها أمام تحدٍ مختلف، حيث تغيرت طبيعة التلقي، وتسارعت وتيرة الأخبار، فاختارت أن تركز على العمق، وعلى التحليل، وعلى الصورة التي تحتفظ بقيمتها، وعلى الكلمة التي تتجاوز اللحظة، في محاولة للحفاظ على خصوصيتها داخل مشهد إعلامي متغير.
تحولت أعدادها إلى أرشيف حي لذاكرة المجتمع، حيث تتداخل التفاصيل اليومية مع الأحداث الكبرى، وتظهر التحولات في اللغة والقيم وأنماط الحياة، وكأن المجلة تقدم سجلًا لذاكرة جماعية، تحفظ ما قد يتسرب من بين أصابع الزمن.
يبقى سر استمرار هذه التجربة في قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين البساطة والعمق، وبين الفن والفكر، وبين القرب من الناس والاحتفاظ برؤية نقدية، فكانت تقدم خطابًا يبدو سهلًا، يحمل في داخله طبقات متعددة، ويترك للقارئ مساحة للتأمل، دون أن يفرض عليه إجابات جاهزة، كما أن تمسكها بفكرة القلوب الشابة منحها قدرة على التجدد، حيث تعاملت مع الشباب بوصفه حالة ذهنية تقوم على الرغبة في التغيير، وعلى القدرة على الحلم.
«صباح الخير» أكثر من مجلة، رحلة ممتدة في الزمن، تحمل في داخلها حكاية مجتمع، وتعكس في تفاصيلها مسار بحث عن الحرية والجمال والمعنى، تجربة تؤكد أن الصحافة يمكن أن تكون فعلًا ثقافيًا حيًا، وأن الكلمة حين تتصل بالحياة تصبح قادرة على البقاء، وأن الصباح، كفكرة، يظل مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي، ما دامت هناك قلوب تبحث عن التجدد، وعقول تسعى إلى التحرر.