محمد البهيدل
في عوالم كرة القدم، يُقال إن الصافرة هي من يكتب النهاية، لكن في دستور الهلال يبدو أن الصافرة ليست سوى إشارة لبدء فصلٍ جديد من الإبهار، وفصلٍ متجدد من الانكسار لخصومه. وفي ميثاق كرة القدم، ثمّة زمنٌ يُقاس بالدقائق، وثمّة زمنٌ هلالي يُقاس بالدهشة، بل كان تكريساً لظاهرة كونية في عالم المستديرة، مفادها أن الزمن في مواجهات الهلال لا ينتهي بصافرة الحكم، بل ينتهي حينما يقرر الهلال ذلك. وفي دهاليز كرة القدم وصراعاتها الكبرى، ثمّة فوارق شاسعة بين بطلٍ يطارد الفوز، وبين كيانٍ يُطوع الأقدار لصالحه.
ما شهده ملعب الأول بارك في مواجهة الهلال والنصر الأخيرة، لم يكن مجرد استمرار لعقدة السنوات الست التي استعصت على النصر في عقر داره، بل كان فصلاً جديداً من فصول الميتافيزيقيا الهلالية التي تجعل من المستحيل واقعاً ملموساً. إنها الحكاية التي لا تنتهي بصافرة، بل تبدأ من حيث يظن الجميع أن كل شيء قد انتهى.
العائد من الموت
لقد استحق الهلال بجدارة لقب العائد من الموت؛ وهي عبارة لا نطلقها من باب المبالغة الأدبية، بل هي وصف دقيق لسيناريوهات كروية تكررت حتى باتت ماركة مسجلة باسم هذا النادي. كم من مباراة حبست فيها الأنفاس، وظن فيها الخصوم أنهم أحكموا رتاج التابوت على آمال الزعيم، فإذا بالهلال ينتفض في الثواني الأخيرة، مكسراً قيود المستحيل، ليعود من «موت سريري» كروي إلى حياة يملؤها الصخب والذهب. هذه العودة الإعجازية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج ثقافةٍ تراكمية تؤمن بأن المباراة لا تنتهي إلا بابتسامة زرقاء.
إن الهلال يمتلك تلك القدرة على استحضار كبريائه في لحظات الاحتضار؛ ففي الوقت الذي يستسلم فيه الآخرون لواقع الهزيمة، يخرج الهلال ممتشقاً سيف الإصرار، ليعيد كتابة سيناريو اللقاء في الرمق الأخير، محولاً دموع جماهيره من خوف وقلق إلى نشيج فرحٍ طاغٍ يهز أركان المدرجات. إرث الجحفلة.. الصرخة التي لا تخيب، ولعل أيقونة هذه العودة الدراماتيكية تظل محفورة في ذاكرة التاريخ باسم محمد جحفلي. ذلك الهدف الذي سُجل في الدقيقة 119 من نهائي كأس الملك، لم يكن مجرد هدف تعادل، بل كان إعلاناً رسمياً لولادة عصر الجحفلة. تلك اللحظة كانت التجسيد الأسمى لمفهوم العائد من الموت؛ فبينما كانت الكأس تتأهب للرحيل، استردها الهلال بكل حب من بين فكيّ النصراويين، ليعيدها إلى عرينها الطبيعي في خزائن البطولات الهلالية.
منذ ذلك الحين، أصبح الهلال سيد الثواني الأخيرة، وبات خصومه يخشون الدقيقة التسعين أكثر من خشيتهم من بداية اللقاء. وكرر الهلال تلك اللحظات الرهيبة في نسخة كربونية وفي نهائي نفس البطولة كأس الملك ولكن الضحية هذه المرة فريق الوحدة الذي خسر ذلك النهائي بنفس الطريقة التي خسرها النصر في نهائي الجحفلة. إنها الحُظوة التاريخية التي تجعل الهلال يستغل «عنق الزجاجة» ليخرج منها عملاقاً لا يُقهر. وفي كل مرة يكرر فيها الهلال هذا المشهد، يثبت للعالم أن الروح الهلالية تمتلك سبع أرواح، وأنها قادرة على العودة في اللحظة التي يرفع فيها الخصم راية الاحتفال.
عقدة الأول بارك ولذة الانتصارات الخانقة في أن يغادر النصر ملعبه للموسم السادس توالياً دون فوز على الهلال، هي حقيقة تكرس سيطرة اللون الأزرق على مفاصل التاريخ الحديث للديربي. لكن اللذة الحقيقية للهلالي ليست في الفوز العريض فحسب، بل في تلك الانتصارات التي تأتي في «المنطقة المحرمة» من زمن المباراة. إنها الانتصارات التي تُطبخ على نار هادئة، وتُقدم في طبق من دهشة عند الثانية الأخيرة. تلك اللحظات الخانقة في مباريات القطبين، هي الأكثر تشويقاً لأنها تختبر صلابة المعدن. والهلال، بمعدنه الأصيل، يثبت دائماً أنه الأكثر صبراً، والأهدأ أعصاباً، والأذكى استغلالاً لتعثر الأنفاس. إن فوز الهلال في الوقت القاتل هو رسالة صامتة لكل المنافسين: لا تحتفلوا أمام الهلال حتى يغادر آخر مشجع المدرج، فالهلال قد يعود من الموت في لمح البصر ليخطف أحلامكم.
زمن الزعيم لا يحده وقت
سيبقى الهلال دائماً ذلك المستشار الصعب في فنون العودة، وذلك الكيان الذي يرفض الانكسار. سيظل ملعب الأول بارك شاهداً على سطوة لم تنجح الملايين ولا الأسماء الكبيرة في كسرها، لأن الهلال يلعب بروحٍ لا تعرف المستحيل، وبثقافةٍ تجعل من الثواني الأخيرة ميداناً لبطولاته. هو الهلال.. العائد دائماً من تحت الرماد، ليتربع على قمة المجد، تاركاً للزمن مهمة إحصاء أهدافه القاتلة، وللخصوم مهمة البحث عن تفسير لهذا السحر الأزرق الذي لا يبطل.