في المشهد الفني السعودي، هناك أسماءٌ لا تُقاس بحجم حضورها على الشاشة فقط، بل بما تركته من أثرٍ داخل البنية الثقافية والفنية نفسها. ويأتي الفنان والمنتج السعودي خالد الحربي ضمن هذا الجيل الذي لم يكتفِ بالمشاركة في صناعة الدراما السعودية، بل أسهم في تأسيس جزءٍ من ملامحها الأولى، متنقّلًا بين المسرح والتلفزيون والسينما، وبين التمثيل والكتابة والإنتاج والإخراج.
عبر مسيرةٍ امتدت لعقود، ظلّ الحربي حاضرًا في أعمالٍ شكّلت ذاكرة المشاهد السعودي والخليجي، مستندًا إلى رؤيةٍ ترى الفن أبعد من الترفيه، وأكثر التصاقًا بالإنسان وأسئلته الاجتماعية والثقافية.
في هذا الحوار، يتحدث خالد الحربي عن تجربته، وعن التحولات التي عاشها الفن السعودي، كما يفتح الباب للحديث عن تجربة ابنه المخرج والمنتج فيصل الحربي، وحدود العلاقة بين الإرث العائلي والهوية الفنية المستقلة.
* بعد كل هذا التاريخ الفني، هل تشعر أن الدراما السعودية أنصفتك فعلًا، أم أن هناك مرحلة كاملة من تجربتك لم تُقرأ كما يجب؟
- منذ بداياتي في أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات، لم تكن الحركة النقدية مواكبة بالشكل الكافي لما يُقدَّم فنيًا. كان هناك قصور في التوثيق وقراءة التجارب الفنية بعمق، وربما تقصير أيضًا في تتبّع أثر الفنان وتقييمه الحقي داخل المجتمع.
حتى اليوم، أرى أن النقد الفني ما زال أقل من حجم الحراك الموجود. صحيح أننا بدأنا خطوات جيدة، لكن الطريق لا يزال طويلًا ويحتاج إلى وقت وصبر. ومع ذلك، أشعر أن الحياة أنصفتني في محطات كثيرة؛ فقد حظيت بتكريمات وجوائز خليجية وإقليمية أعتز بها كثيرًا. لكن الإنصاف الحقي بالنسبة لي يبقى في محبة الناس. عندما أجد أثر العمل في الشارع، وألمس تقدير الجمهور واحتفاءه، أشعر أن ذلك أعظم تكريم يمكن أن يناله الفنان.
* هل كان حضورك كممثل نتيجة موهبة خالصة، أم لأنك صنعت لنفسك الفرص كمنتج وكاتب في بيئة محدودة الخيارات؟
- أعتقد أن الموهبة كانت موجودة منذ البداية، وإلا لما استطعت أن أستمر وأحقق نجاحًا خلال سنوات إقامتي في القاهرة، والتي امتدت قرابة عشر سنوات، شاركت خلالها في أعمال متعددة. كما أن الممثل السعودي آنذاك كان يمتلك قيمة تسويقية مهمة لدى المنتجين العرب، لأن حضوره كان يمنح العمل بعدًا جماهيريًا ويساعد في توزيعه، وهذا يُحسب للتلفزيون السعودي ودوره في صناعة النجوم. أما دخولي مجال الإنتاج، فكان بدافع الرغبة في تقديم أفكار ومشاريع لم أجد من يغامر بتنفيذها. استثمرت ما حققته من الفن لإنتاج أعمال تحمل رؤيتي الخاصة، خاصة أن مرحلة نهاية التسعينيات وبداية الألفية لم تكن سهلة إنتاجيًا كما هو الحال اليوم.
* لو خضت الإخراج بشكل أوسع.. ما أول قاعدة كنت ستكسرها في الإخراج التلفزيوني السعودي؟
- لا أرى الأمر بوصفه كسرًا للقواعد بقدر ما هو بحث عن عملٍ يتقدّم على صانعه. أحب أن يشعر المشاهد أنه أمام تجربة ممتعة وسلسة، لا أمام استعراض لبصمة المخرج أو حضوره الطاغي. بالنسبة لي، قيمة العمل تكمن في وصوله للناس بصدق وبساطة، دون افتعال أو تعقيد.
* هل مارست رقابة ذاتية على نصوصك خوفًا من المجتمع أو المنتج، أم أن هناك نصوصًا دفنتها لأنها كانت سابقة لزمنها؟
- بالتأكيد، هذا كان موجودًا في مراحل كثيرة. بعض الأفكار كانت تُعتبر سابقة لوقتها، ولذلك كانت تواجه ملاحظات رقابية أو مجتمعية تدفعنا أحيانًا إلى تعديلها أو تأجيلها.
كنا ندرك مسبقًا بعض الخطوط الحمراء، فنمارس رقابة ذاتية بحكم الخبرة والمعرفة بطبيعة المرحلة. وفي أحيان أخرى، تأتي الملاحظات مباشرة من الجهات الرقابية. وهذا أمر موجود في كل مكان، وليس حكرًا على بيئة معينة. وعندما أشعر أن فكرة ما تسبق وعي المرحلة، كنت أؤجلها حتى يحين وقت أكثر نضجًا لتقبّلها.
* برأيك، هل يملك المخرج اليوم سلطة حقيقية على العمل، أم أنه بات منفذًا لرؤية المنتج؟
- كل النماذج موجودة اليوم. هناك منتجون يؤمنون برؤية المخرج ويمنحونه المساحة الكاملة، وهناك مخرجون يلتزمون بالكامل برؤية المنتج ومتطلباته. لكن النموذج الأنجح في رأي هو الشراكة الحقيقية بين المؤلف والمخرج والمنتج، حين يعمل الجميع بروح واحدة للوصول إلى عمل متكامل ومتوازن.
* كمنتج، هل تنحاز للعمل الذي يضمن الربح أم للمشروع الذي يترك أثرًا حتى لو كان مخاطرة؟
- أبحث دائمًا عن العمل الذي يترك أثرًا قبل أن يحقق رقمًا. لكن في النهاية، الإنتاج يحتاج إلى توازن دقيق بين القيمة الفنية والاستمرارية التجارية. فالمنتج لا يستطيع الاستمرار دون نجاح مادي، وفي الوقت نفسه لا يكفي الربح وحده.