د. إبراهيم بن جلال فضلون
هُنا حيثُ العبق الأصيل في إطار الفعل والبصيرة، وأمام مقال الأمير تركي الفيصل: «هكذا نجح محمد بن سلمان»، لا أجدني إلا ناصب الوجهة إلى سردية مُتكاملة عن مفهوم الدولة العقلانية التي تدير الأزمات بالصبر والحسابات الاستراتيجية لا بالاندفاع والانفعال.. وكأنني لمكة حيثُ بين الله الحرام أشُد رحالي بقلمي، فالعبرة بالفعل لا بالقول.
«لقد اعتمدت القيادة مبدأ أن العبرة بالفعل وليست بالقول.. فبينما ذباب التواصل الاجتماعي يطنطن ويصرخ كحبارير الدِّمَن، كانت المملكة تتروى وتُخطط وتصبر وتعمل برؤاها.. هكذا تُساس الأمور وهكذا تَعمل البصيرة». ليفتتح الأمير تركي الفيصل فضاءً تحليلياً فريداً في مقالٍ لا يمكن تصنيفه مجرد تعليق صحفي عابر، بل هو «بيان سياسي استراتيجي» صادر عن رجل «خبر» دهاليز الدبلوماسية وأروقة الاستخبارات لعقود. حيثُ يأتي المقال في لحظة جيوسياسية حرجة ومُثقلة بالصراعات الإقليمية والدولية، مُقدماً للمُتلقي العربي والدولي معاً وثيقة تفسيرية لآلية إدارة الأزمات الكبرى في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ومُهندس الرؤية والسياسة الحديثة للمملكة، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، واضعاً حداً فاصلاً بين نوعين من السياسة: سياسة «الجعجعة والشعارات الزائفة»، وسياسة «البصيرة والواقعية المحنكة».
قُراءنا: تعالوا معاً قُراء «الجزيرة» نقوم بتشريح النص إحصائياً، ولتتبع بنية نمط الإيجاز التنفيذي الكثيف والدال، حيث يبتعد الكاتب -مع الاحترام للمنصب -عن الترهل اللفظي ويركز على إيصال الفكرة بأقصر الطرق وأكثرها تأثيراً:
- عدد الفقرات البنيوية موضوعياً يتكون من 3 فقرات رئيسية مُمتدة (تتفرع تقنياً إلى 5 أسطر كتلوية عند إدراج الشواهد الشعرية في الختام). وكل فقرة تحمل وظيفة بنيوية محددة: (الأولى لتهيئة السياق الجيوسياسي للأزمة، الثانية لتظهير دور ولي العهد ومبادراته، والثالثة لصياغة الخلاصة الوجدانية).
- أما عدد الكلمات البالغ362 كلمة، فهو حجم يُعدُ نموذجياً للمقالات الرأسمالية السياسية الاستراتيجية التي تُخاطب النخب وصناع القرار، حيث ترتفع الكثافة الدلالية لكل كلمة، لنري عدد الجُمل في النص مترابطين سياقياً 19 جملة تراوحت أنماطها التركيبية بين الجمل الشرطية المركبة والطويلة (التي استخدمت لحساب موازين الربح والخسارة الجيوسياسية) والجُمل التقريرية القصيرة الحازمة.
إيجابية الرؤية: ولدحض التشكيك وتظهير الحكمة، كان الهدف من المقال سعى الأمير تركي الفيصل من خلال هذا النص المقتضب إلى تحقيق هدفين استراتيجيين مُتداخلين:
- الأول (دفاعي تفكيكي): التصدي المباشر لحملات التشكيك والإشاعات التي تبثها منصات إعلامية إقليمية وغربية (وصفها الكاتب بأصوات نشاز وذباب إلكتروني) تحاول تشويه الموقف السعودي المتزن من الصراع الإقليمي الراهن.
- والآخر (إيجابي إثباتي): تظهير الكفاءة الجيوسياسية المتميزة للأمير محمد بن سلمان، وإثبات أن قراره بالابتعاد عن أتون الحرب لم يكن ضعفاً، بل كان ذروة الشجاعة والتحكم وحماية الأمن القومي والمكتسبات التنموية للمملكة من دمار حتمي.
الكاتب والقُراء: اتسمت النبرة الأسلوبية للمقال بمزيج متقن من الواقعية السياسية، والحماسة الوطنية، والحدة السجالية أي (الجدلية البيانية وعزل المشككين)، إذ وظف الكاتب هذه النبرة لإحداث حالة من «التباين الحاد في ذهن القارئ بين معسكرين:
1- معسكر الصخب الهامشي: وعبر عنه بمصطلحات استعارية حادة ذات جرس تعبيري قوي («ذباب يطنطن»، «المطبلون»، «نعيق دعاة الحرب»، «تنبح الكلاب»).
2- معسكر الفعل الاستراتيجي الرصين: وعبر عنه بمفردات تعكس الهدوء والديناميكية العاقلة («تتروى»، «تصبر»، «تعمل»، «تسوس الأمور وتمحصها»، «تطفئ نار القتال»).
هذا الأسلوب البياني يدحض بقوة بل ويُسهم في إضعاف حجج الطرف المشكك وعزلها أخلاقياً ومعرفياً، ويقنع القارئ بأن الصمت السعودي الرسمي في بعض المحطات ليس انكفاءً، بل هو إدارة هادئة وُممحصة لتفاصيل الصراع.
رسالة للقلب: لقد بث الكاتب رسائله بذكاء شديد شكلتا صورة النجاح لولي العهد، وهي رسائل تندمج معاً لتصنع صورة ذهنية إيجابية لقائد إقليمي حكيم، يمتلك شجاعة الامتناع عن خوض معارك الآخرين («معركة ما كان لنا فيها لا ناقة ولا جمل»)، وفي ذات الوقت يمتلك المبادرة لإطفاء النيران ونشر السلام والتنمية، وقد وجهها إلى فئتين مستهدفتين بمسارين مختلفين
- الجمهور الدولي والغربي: مفادها.. أن المملكة العربية السعودية تحت قيادة مُهندس الرؤية الأمير محمد بن سلمان هي لاعب عاقل، مُستبصر، ومُستقل في قراره السيادي. لا يمكن استدراجها إلى حروب بالوكالة تخدم أجندات إسرائيلية أو تستجيب للاستفزازات الإيرانية. السعودية تحسب خطواتها بميزان الأرواح والممتلكات والاستقرار التنموي.
- الجمهور العربي والخليجي: مُفادها.. إبراز القيادة السعودية كقوة حاضنة وصمام أمان للمنطقة. فالنجاح هنا لا يقتصر على تفادي الحرب داخلياً، بل يمتد إلى «عضد والتضامن مع القيادات الخليجية» وفتح شرايين التجارة والتمويل والدعم اللوجستي (طرق، مطارات، موانئ) للتأكيد عملياً على معادلة أن «أمنهم هو أمن المملكة».
موازنة الزوايا والأبعاد: إن التحليل الإحصائي والنقدي واون بين كُل الزوايا ومختلف الأبعاد في مثلث تبصيري:
الأول: أبرز نقاط القوة:
1- الواقعية المفرطة والشفافية: تفوق الكاتب في طرح «حسابات الكلفة الاستراتيجية» بوضوح أمام القارئ؛ فالحديث عن احتمالية تدمير منشآت النفط وتحلية المياه السعودية لو تم الرد بالمثل، يعطي الطرح مصداقية عقلانية تجعل القارئ يدرك أن تجنب الحرب هو انتصار استراتيجي خالص وليس تراجعاً.
2- الشرعية والربط التاريخي: نجح المقال في ربط سلوك الأمير محمد بن سلمان بـ «ديدن» سياسة المؤسس الملك عبد العزيز، مما يمنح القرار السياسي المعاصر شرعية امتداد تاريخي راسخ يطمئن الداخل السعودي.
3- الاستثمار الثقافي الوجداني: ختم المقال بشعر الأمير بدر بن عبد المحسن، مما أضفى لمسة أدبية ووجدانية رفعت من حماسة القارئ المحلي، وحول المحتوى من تحليل سياسي جاف إلى ملحمة تلاحم وطني.
الثاني: الفرص التطويرية:
1 - تعديل حدة الألفاظ السجالية: استخدام عبارات مثل «تنبح الكلاب» أو «نعيق» يمنح المقال طابعاً تعبيرياً هجائياً حاداً. وكان يمكن استبدال هذه الألفاظ بلغة تفكيكية رصينة ومؤسسية تعتمد على البيانات والمواقف الرسمية، مما يرفع من تصنيف المقال كمادة تحليلية موضوعية قادرة على اختراق العقل الغربي المتحفظ تجاه النبرات الخطابية العاطفية.
2 - التوسع في الجانب التوثيقي: كان من الممكن تدعيم المقال بالإشارة المقتضبة إلى مبادرات بعينها أو زيارات دبلوماسية محددة (مثل تفاصيل التنسيق مع باكستان أو دول مجلس التعاون) ليتحول المقال إلى مرجع توثيقي متكامل للأزمة.
الثالث: الأبعاد الوطنية
ومدى تأثيرها:
فقد امتلك الطرح بُعداً وطنياً عميقاً يلامس الشعور القومي السعودي والخليجي. وكأنه ينقل المتلقي من حالة القلق الطبيعي المصاحب لأي حرب إقليمية محيطة، إلى حالة من الطمأنينة السياسية والثقة المطلقة بالقيادة. المقال يصنع وعياً جمعياً يرفض الالتفات للمزايدات الإعلامية الخارجة عن الحدود.
الأثر الفكري المستدام: ينتهي تفكيكنا لهذا الإبداع النصي عند ذات النقطة التي أراد الأمير تركي الفيصل إيصال قارئه إليها؛ وهي أن التاريخ لا يكتبه من يصرخون على الشاشات أو الإذاعات أو منصات التواصل الاجتماعي، أو تطبيق ذا ترويج عالمي لأكاذيب وضلالات، بل يكتبه من يقودون القوافل بحكمة وصمت وسط العواصف، وهُنا نجد نهاية المقال جوهرًا للفكرة بعبارة استنتاجية عميقة: «إن الدول العظمى لا تُقاد بالشعارات والجعجعة، بل بالقرارات السيادية الهادئة».
وقفة:
لقد نجح محمد بن سلمان، في منظور هذا النص، لأنه آثر حماية الإنسان وبناء الأوطان على الدخول في مغامرات غير محسوبة، مستبدلاً حبر الصخب ببصيرة الفعل، في زمن تتكاثر فيه أصوات الحبارى حول موائد الأزمات، لتبقى القيادة السعودية تمارس سياسة النفس الطويل، واضعة أمن المواطن فوق نزوات المزايدين. وليظل البيت الشعري الخالد المقتبس في الختام حائط صد فكري وثقافي لكل سعودي وخليجي في وجه حملات التشويه، لقد صدقت أيها الوطني والكاتب والأمير بخاتمة بهذه الأبيات من قصيدة «فوق هام السحب» للشاعر السعودي الأمير بدر بن عبدالمحسن، والتي غناها الفنان محمد عبده:
مجدك لقدّام وأمجادك ورا
وإن حكى فيك حسّادك ترى
ما درينا بهرج حسّادك أبد
إنتي ما مثلك بهالدنيا بلد
والله ما مثلك بهالدنيا بلد.