عبدالمحسن بن علي المطلق
.. إن لم يقوموا بذلك، فلا غرابة إن كانوا هُم أكثر من في دائرة الملام، نقطة أوّل السطر
وها هو (أول السطر): لا عجب أن يضطلع الجميع ومن جميع ما يُعمل لبلوغ ربوة (وِفق أعلى المعايير)، أو يقطع به مفازة (آخر ما توصّلت له التقنية).. إلخ، أجل، بل للعلم أن كل «قطاع» يسعى وبجهد دؤوب وحضور مشهود لتحقيق أدقّ ما يعين، حين يُقدّم عمله (أقصد إخراجه) بأجمل حلّة، وذلك للوصول - به- إلى الهدف الشامل الذي تريد مركبة الأمة بلوغ محطّته، وهو(جودة الحياة)، باذلة وسعها ما استطاعت سبيلا لتلك النجعة، نعم سوف تفعّل ذلكم على ضوء معطيات ما بين يديها، لأن القاعدة الشرعية عذّرة عما لا يمكن، فـ(الطاعة على قدر الاستطاعة).
.. وهنا لا يعد النجاح لأهل الهمم مأملا، لأنه أمسى تحصيل حاصل أو كذا هو، وعلى هذا فإن على النبيه(1) أن لا يسأل تلك النوعية هل نجحتم؟، بل يتجاوز- بسؤاله- أن إلى أيُ مراتب التفوّق بلغتم؟، فإن صنيع أولئك هي المزاحمة على الأوائل، فالمساحة تضيق إلا على كعب الفذّ من بينهم، درجة أن لا يبلغ «رأس» الهرم إلا باسقهم حلما، وأحزمهم - لنفسه- أمراً، وقد قرّبت لمرامي آية {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} وعندها تجده وقد تربّع هناك وحده، إذ قل من سـ..يُـناكفه، ولا عجب! فالهمم تتقهقر كلما طال الطريق(2) ألم يقل عمر لأبي عبيدة رضي الله عنهما (كُلنا غَيّرتنا الدُّنيا إلّا أنتَ يا أبَا عُبيدَة)، فالمجالدة هي من فاضلت.. أو أخرجت الصبر من أكنّـة بعضهم.
وثمة براح أن لا تسل تلك الثلّة عن التفوّق على من؟!، فالجواب على رأس النجيب بينهم أنه ماض لتلك الربوة ولو كان لوحده (كناية عن التنافس مع النفس).. ذاتها، إن لم يجد في الساحة نـدّا!
والشاعر دلل لهذه الجزئية (وإذا لم تجد لها كفوا..)، فـ كنّى(3) بالتراب، دفعا لشحذ الهمّة، مغبّـة أن يمسي فقدان المنافس (داعياً) للتثائب!
والتفوق قرّب له ألمعيّ حين سُئل عن (الـغِنى) أجاب: أن تكون أحسن من أبيك، فقيل له وما (رأس المال) قال أن تكون مثله، ولما قيل له عن الخسارة؟، أوجز بأن تكون (أقل) منه!
والحقيقة أنه يجمل كل ما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني-رحمهما الله-، وهنا لنتصوّر « لو «كل الناس قاموا بهذا الإتقان كيف سـتبلغ بنا»جودة الحياة»؟،
ربما ستؤول لتصنيف الـ(خمس نجوم)!، وبالمناسب فمما أذكر أني أشرت لمادتي {قطع الإشارة.. حرام} أننا لو طبقنا حديث (لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) بحذافيره، لاستغنينا (4) عن نظام المرور!، وأزيدكم بتساؤل لعلنا نفكّر فيه، ماذا «لو عرف كل منّا ما له وما عليه، لأُغلقت المحاكم أبوابها»، عفوا هذه ليست دعوى لمدينة (أفلاطون).. تلك «التخيلية»، بل هي الواقعية التي مضت عليها حقبة الرعيل الأول.. الذي تربّى على يدي النبوّة (مباشرةً)، وأعني الرسول عليه الصلاة والسلام، وصحبه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، بالأخصّ إن كانوا همُ صدر القرن المفضّل- الأول- من الدعوة، وهنا فإني لاستغفر ربي إن تجاوزت فبالغت أنهم لو (5) زادوا الجرعة(6) لقاربوا أن (تُصافحهم الملائكة في الطرقات)، لكنّ بشريتهم حتمت أن تكون القلوب أحيانا تغلب العقول، وكذا حظوظ النفس تزاحم الإيثار، و..إلخ.
هذا، ويقابل ذلك تضاعف مواضع العتاب على من يستطيع ولا يفعل!، ولهذا تجد من أدوات العتاب (خطأ الشاطر بعشر)، بمعنى أن الذي يستطيع ولا يفعل فحقك أن تصبّ عليه الملام صبا(7)، فيما وجوه المعاتبة تدمدم عليه!
مع إشارة إلى أن ما كل ما يُكتب حوله.. هو من باب النقد!، بل قد يكون المقصد به الارتقاء، وقد يبلغ- المراد به- الاتقان بالذات من يمكنه مبلغ ذاك السبيل، خلاف من أمامه المعوقات، وفي هذه دعوى لأخذ أفئدة من الناس لحسن الظن، ولا يُخسروا مكيال ما برزت في الساحة هممهم، فاصطدمت(8) بتضعضع القدرات!
لكن لا ضير في الدفع بالهمّة وعدم تسليم المتاع من أول حاجز!، لأن من بعينه رمد لم يعذّر لنفسه أي تقصير يبدر منه (9)، فكيف بمن اعطِ (من المقدرات) غالب الأشياء، ثم (يا حسافه)، إذ لم يكن عند حُسن الظن به!؟
ومع أننا لا نحتاج سوى بعض من استنطاق المقاصد في تحري نواقصها لإذابة- الجليد- المتراكم بلا قصد!، مما يحول مما يكمل جرائها البناء، أجل، بل قلها بصوت عالٍ: مـاذا ينقصنا؟، وهاكم معززا (أحدهم قال لي إنه حين أخبر والده وفرحٌ مسرور: أن ترتيبه الثالث على المدرسة- وليس صفّه فقط-، قال كاد يضربني.. وهو يردد:
الأول أو الثاني.. بماذا يزيد عليك أحدهما عنك، هل بقدم أم يدٌ، أم..)!
فنحن (من بعد فضل الله) لدينا السواعد وأيضاً الدوافع ومن خلفهما الهمّة للاضطلاع بمركبتنا في عباب أسباب تحقيق (تمام) التنمية، لأُفشي بـ(لكم أفرح -وغيري معي كثيرون -كلما أُطالع مثل هذه المنجزات الحضارية) والتي أحدد تمس الإنسانية، لأنها الركن الشديد الذي تتكئ عليه الدول، ليُعتدّ به لها كمقياس (حقيقي) لا مرآة فيه لمرامي التقدّم، لأنها مما تُـعنى بـالجانب الإنساني.
مكرراً كم نحتفي أضعافا استبشارنا بمركز تجاري/حين نقيم صرحا علميا..، فالضروري وهو الأهم مقدّم (بدهياً) على الكمالي، وإن بلغ الأخير من الأهمية مبلغاً فالأهم منصبّ على الأولويات كمستهدفات لتحقيق التنمية، والذي هو السلّم الذي ترتقي في درجاته أي دولة عن أخرى، لرفع رصيدها (التقييـمي) الذي لا يعزى لغيره ميزاناً ومقياساً.
وكل هذا مسلّم به، وقد لا تجد حاجة لذكره سوى فضول قول إن لم يكن لجاجة! (10) لكنه يورد كـتأسيس لفكرة ما تُطرح، فهذا الذي نعهده في أهل الدراية إذا ما أراد أحدهم الحديث حول فضيلة ما.. وطّئ لها بآية أو حديث، وغالبا بهما معاً، برغم أننا نجد ذلكما في اختزالنا المعرفي عن الدين، لكن يُفعل هذا تأصيلاً، فضلاً أن زيادة الخير خير، في ديننا، فيما نجد في أدبيات دنيانا مماثلاً لذاكم التأسيس بقولهم (زيادة المبنى زيادة في المعنى)، والأخيرة تلزم حال الحاجة تمسِ للتوضيح ولو في السعي لرفع أدنى لبس -قد يقع-، وحسبنا آية {لا تقولوا راعنا بل انظرنا}، و قد جاء هذا المقصد- أعني رفع اللبس- التكرار في آية واحدة {..الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} [92 الأعراف].
وعلى ذلكم فإن تبريح ما سبق إن هو إلا (تقعيد) للآتي، مع ايضاح أن المقصد ليس لـلوم، فبلادنا - والعالم أمسى شاهداً- يفخر الفخر إذا غدت به.. بين الأقطاب من الدول، ما يحسب أنها قطعت للعلياء أشواطاً، إن لم تكن حازت منها شأوا، وهذا -أُكـّـد -ليس على وجه مدح.. لأنفسنا يُـبدى، لكنه الواقع المشاهد بلا شرح.
كما وأن سعيها لذاك مسايرة لفطرةً لدى البشرية، وعليه تمضي حُقبا لتتقدّم في مضمار الحضارة، ويصادق على هذه ما ذُكر في (خبر) طالعتنا به صحيفة الجزيرة قبل أيام، تحديدا في عدد (12 ذي القعدة)، حيث سطّرت عنواناً /اختيار مدينة (الباحة) كمدينة «صديقة» لذوي الإعاقة لعام 2026 م.. عقب حصولها على الاعتماد الدولي من (الاتحاد العالمي للمعاقين)، وذلك في يوم استقبال أمير الباحة لأمين المنطقة الدكتور (علي السواط).. حيث اطلع سموه على تفاصيل هذا، ومما جاء -من تسبيب- لنيل هذا الاعتماد (ما تحقق من منجزات في تهيئة البيئة الحضرية وأنـسنة المدينة، وتعزيز وسائل الوصول الشامل لتلك الفئـة الغالية بمدينة الباحة)، وهنا أزيد ولا أُزايد في أمر مستقرّ عند قيادتنا حول الاهتمام بتمكين الأشخاص من ذوي الإعاقة وتحسين جودة الحياة لهم بكافة المناحي.. هو ما يجدر الإشارة إليه، فالدولة - أي دولة- إلا وتسعى حثيثاً لبلوغ كل ما يمكن من قطع الأشواط في درب ذلك، عدا أنه من مستهدفاتها للتنمية الشاملة، أو كذا يجب، وضع تحت السطر الأخير عدة أسطر فما من شائبة تستدعي- مني- تفريع هذا المقال لما يمس به ذاك المقام في داخلنا، وقد تقدّم ما يكفي.. سوى في لفظة (إعاقة)..!
فهذه لفظة (الـ..إعاقة) عليها من التحفّظ.. على نحوٍ مما سيأتي جلاء عنه.
فالذي أقصد بهذه المادة نقطتين بالغالب سبقت الأولى، وهذه الأخيرة الـ(متممة..)، وماء هذه المادة، فأقول بعد أن استعين بربي..
ندبت العرب لأمر جميل بوصف العين الكريمة (بدلاً من أعور) والسليم.. لـ(الملدوغ)، إلخ، من باب حب الفأل وقد عززه ديننا (11)، المهم/
نُودي بيوم تولى لآحاد أولئك بـ(المعاق) ثم لُطّـفت بـ(ذوي الاحتياجات الخاصة)، للترقّي إلى دلالة (أصحاب الهمم)، والأخيرة سبب تعجبي!، ومن ثم استوقفني لأنها في العنوان، في مناداتهم بـ(المعاقين) عجباً.
طيب كيف لو لم تسع الدوائر عندنا بوصفهم بأهل الهمم، أقول كيف بلمسة «خبر».. نعود عن تلك الصياغة التي تستعذبها إذن السامع إلى لفظة، توجعنا قبل أن تقع بآذانهم
ورحم الله شيخ الحديث حين يقول عن راوٍ مجروح، إنه (متروك).. بدلاً من كذاب!
نعم ففي تحسين العبارات واكساء الألفاظ مندوحة عن المجابهة.. أقصد المواجهة وحتى في أدنى الأدبيات نجد للكلام من الطعم.. كما نادى المأمون أحد الأعراب ليشاركه الأكل فاعتذر بـ(لا..، وأكرمك الله) فقال الخليفة (إن هذه «الواو» من أطايب الطعام)(12).
وأبو تمام حين أخطأ الخليفة الطير قال له أحسنت، فالتفت إليه عاقداً حاجبيه.. ليتدارك الشاعر زلله بـ(أحسنت للطائر(13).
ولكن..
لكن ما أدى الغرض فيه الكفاية، وإلا فالشواهد تطول ويصعب بالتالي استقصاء نفيسها، فكيف بغيرها!، كما وحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، ومن الماء ما سدّ الرمق، والله الموفق..
* * *
هوامش:
1- وهنا نستحضر سلح الشاعر/
ألم تر أن السيف يُزري بقدره
إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
2- من اللطيف إشارة أبي الطيب
وقد سألنا ونحن بنجد..
أطويل طريقنا أم يطول؟
3- كذا يصف المتنبي عزة النفس وعلو الهمة/
«وإذا لم تجد من الناس كفؤاً
ذاتُ خدر تمنت الموتَ بَعلا»
4- نعم (هناك فجوةٍ معرفيةٍ هائلة تفصل بين من يملك «الحق» ومن يملك «الطريق»..} -د. عبدالكريم بكار-.
5- ويلاحظ هذا بقول عنْ أَنَس رضي الله عنه: «إِنَّكُمْ لَتَعْملُونَ أَعْمَالاً هِيَ أَدقُّ في أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، كُنَّا نَعْدُّهَا عَلَى عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُوِبقاتِ» رواه البخاري. وَقالَ: «الْمُوبِقَاتُ» الْمُهْلِكَاتُ..
ودققوا بـ(هِيَ أَدقُّ في أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ..)!
6- هذه الـ(لـو) تحديداً هذا الموضع تجوّز بعضهم بقولها، لأن القصد -منها- درجة (.. ما دون المستحيل)
7- ف.. الأمر مندوب له فحسب، لكن ما الشأن بمن يستطيع -كما تقدم- فلا يفعل!
8- ملمح هنا لك أن تقرأها بالسين أو بالصاد، مثل آية (سراط.. أو صراط الذين أنعمت عليهم).
9- بهذه المنقبة سار الشاعر في مديح.. من حاله/
رمدا تفعل هذا بالعدى
كيف لو عُوفيت من ذاك الرمد
يقصد ما المدى عندها -والعين سليمة- الذي ستبلغه؟
10- وإلا من العيي الذي سيخبرك عن فوائد الماء -مثلاً-.
11- نـبت إلي قاعدة شرعية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
12- هنا تمعن بالجملة.. وماذا ستكون بدون حرف (الواو)؟!
13- لا عجب فهو القائل يوم أغلق أمامه باب الخلافة/
إن السماء ترجى حين تحتجبُ..