يحيى جابر
لم يعد التحدي الأكبر أمام الجمهور في العصر الرقمي هو الوصول إلى الأخبار، بل التمييز بين الحقيقة والمضلل، فقبل عقدين فقط كانت مصادر الأخبار محدودة في الصحف الورقية والقنوات التلفزيونية والإذاعات، أما اليوم فأصبح الهاتف المحمول غرفة أخبار متنقلة تعمل على مدار 24 ساعة، وتضخ كماً هائلاً من الأخبار والمقاطع والتحليلات والتعليقات التي تصل إلى المستخدم في ثوانٍ معدودة، ووفق بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عالمياً نحو 5.52 مليار مستخدم في عام 2024، أي ما يعادل قرابة 68 % من سكان العالم، بينما أظهر تقرير رقمي عالمي أن مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي تجاوزوا 5.04 مليار مستخدم، بمتوسط استخدام يومي يقارب «ساعتين»، و23 دقيقة للفرد الواحد.
هذا التدفق الضخم للمعلومات خلق بيئة خصبة لانتشار الأخبار المضللة، وهو ما أكدته دراسة علمية شهيرة أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية بقيادة الباحث سينان أرال، ونُشرت عام 2018 في مجلة ساينس، وهي واحدة من أعرق المجلات العلمية في العالم منذ تأسيسها عام 1880 بواسطة الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم، الدراسة حللت أكثر من 126 ألف قصة إخبارية تم تداولها عبر منصة إكس عندما كانت تعرف سابقاً باسم تويتر، وشارك في نشرها نحو 3 ملايين مستخدم خلال فترة امتدت من 2006 إلى 2017، وخلصت إلى أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الأخبار الصحيحة بنسبة تصل إلى 70 %، وتصل إلى أول 1500 شخص أسرع بنحو 6 مرات من الأخبار الدقيقة، وفي مثال آخر، كشف تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن المعلومات المضللة أصبحت ضمن أخطر التهديدات العالمية قصيرة المدى، بسبب قدرتها على التأثير في الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، كما أشار تقرير لمعهد رويترز لدراسة الصحافة في عام 2024 إلى أن نسبة كبيرة من الجمهور العالمي أصبح يتجنب متابعة الأخبار أحياناً بسبب الإرهاق الناتج عن كثافة الأخبار السلبية، حيث بلغت نسبة من يتجنبون الأخبار بشكل متكرر نحو 39 % في بعض الجهات الإعلامية التي شملتها الدراسة.
وفي الولايات المتحدة خلال انتخابات عام 2016، كشفت تحقيقات متعددة أن آلاف الحسابات الوهمية لعبت دوراً في تضخيم أخبار مضللة وإثارة الانقسام السياسي، كما أعلنت ميتا في تقارير شفافية أنها أزالت خلال بعض الفترات أكثر من مليار حساب مزيف من منصاتها خلال فصول زمنية متفرقة ضمن جهودها لمكافحة الحسابات الوهمية، وفي عام 2013 تسبب اختراق حساب وكالة أسوشيتد برس على منصة تويتر آنذاك بنشر خبر كاذب عن وقوع انفجار في البيت الأبيض وإصابة الرئيس الأمريكي، ما أدى إلى تراجع مؤقت في مؤشر داو جونز الصناعي وخسارة أسواق أمريكية مليارات الدولارات خلال دقائق قبل اكتشاف الحقيقة، وخلال جائحة كوفيد 19 انتشرت آلاف الشائعات عالمياً حول اللقاحات والإغلاقات والعلاجات، وأعلنت منظمة الصحة العالمية أن العالم يواجه بالتوازي مع الجائحة ما وصفته بـ»وباء المعلومات»، نتيجة التدفق الهائل للمعلومات غير الدقيقة، وفي المملكة العربية السعودية، أثبتت المصادر الرسمية أهمية كبرى في إدارة المعلومات خلال الأزمات والأحداث الكبرى، حيث كانت وكالة الأنباء السعودية، ووزارة الداخلية السعودية، ووزارة الصحة السعودية، والهيئات الحكومية المختلفة تصدر البيانات الرسمية الدقيقة، بينما كانت بعض الحسابات المجهولة تروج معلومات غير موثوقة، «القارئ الذكي»، اليوم لا ينجرف وراء العناوين الصاخبة والأخبار المضللة، مثل «كارثة مرتقبة» أو «أسرار خطيرة» أو «مصدر يكشف مفاجأة»، بل يسأل فوراً، من المصدر؟ هل هو موثق؟ هل التصريح كامل؟ هل الصورة صحيحة وحديثة أم قديمة؟ هل الخبر يعرض الوقائع أم يثير الانفعال فقط؟ ما الهدف من الخبر؟، من يقف خلفه؟، وغيرها من أسئلة منطقية مهمة.
في علوم الاتصال يسمى هذا السلوك بالتفكير النقدي الإعلامي، وهو مهارة أصبحت ضرورة في عالم تتحرك فيه الأخبار بسرعة هائلة، وتندفع للعقل بكل سخونة وتشويق وتحفيز سلبي، كما أن القارئ الواعي يفهم مفهوم الإطار الإعلامي، أي الطريقة التي يتم من خلالها تقديم الخبر من زاوية محددة قد تغير فهم الجمهور للحدث نفسه.
قد تعلن دولة عن مشروع تنموي يوفر 10.000 وظيفة، بينما تختار منصة معادية التركيز على تأخير جزئي في مرحلة فرعية من المشروع لتصنع انطباعاً سلبياً عاماً، هنا يدرك المتلقي الواعي أن الخبر لا يتعلق فقط بالمعلومة، بل بطريقة عرضها، وتأطيره لمصلحة الجهة المتنفذة في إذاعة الخبر، ولم تعد المعركة الحقيقية على من يملك المعلومة فقط، بل على من يملك وعياً يحميه من التضليل، وبين آلاف الأخبار التي تمر يومياً عبر شاشة الهاتف، يبقى القارئ الذكي هو من يتوقف، يتحقق، ويقرأ ما بين السطور قبل أن يمنح ثقته لأي خبر عابر. وهنا يتبلور لدى القارئ الذكي، أنه لا يمكن تقديم خبر ضار في جهة إعلامية رسمية في بلدك، لأن هذه الجهة معنية بخدمة هذا البلد، بينما الجهات الأخرى المعادية مثلاً، تمتلك كل الوسائل المبهرة والمؤثرة في تقديم أخبار معلبة، تخدم أجندة تلك الدول والمتنفذين على تلك المؤسسات الإعلامية تقدم تلك الوسائل للمتابع لها عناوين وشعارات تلهب الحماس وتغذي عقله الباطن، بحرية الكلمة وتناقل الأخبار، فيما الواقع بعد التحليل الدقيق، يشير إلى غير ذلك، ولا يمكن لخبر أن يمر دون تأطيره، لمصلحة الجهة الإعلامية وداعميها.
ختاماً: القارئ والمتابع الذكي للأخبار لا يهم أن يكون عالماً، أو متخصصاً في الاعلام، أو ذكاؤه خارقاً، بل بالفطرة والمهارة والحكمة والذكاء والتجربة، يستطيع أن يميز، ويدقق ألف مرة في الخبر قبل أن يقتنع بالمعلومة، وأهداف تلك المعلومة ومصدرها.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام صحفي 33 عاماً