هدى بنت فهد المعجل
التعصب الرياضي لم يعد مجرد انفعال عابر بعد خسارة فريق أو فرحة مؤقتة بعد فوز، بل تحوّل عند بعض الناس إلى هوية كاملة تُقاس بها العلاقات والأخلاق وحتى قيمة الإنسان. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ حين يصبح الانتماء للنادي أكبر من الانتماء للقيم.
الرياضة في أصلها وُجدت لتقريب البشر، لصناعة المتعة، ولتعليم الإنسان معنى المنافسة الشريفة والانضباط والصبر. لكنها حين تُختطف بالتعصب تتحول إلى ساحة غضب وكراهية وسخرية وإهانة.
نرى أصدقاء يفترقون بسبب مباراة، وأقارب يتخاصمون بسبب لاعب، وشبابًا يقضون ساعات طويلة في الشتائم والدفاع الأعمى وكأن كرامتهم الشخصية مرتبطة بنتيجة تسعين دقيقة.
المتعصب لا يرى الحقيقة كما هي، بل كما يريدها أن تكون.
إذا فاز فريقه بالغ في التقديس، وإذا خسر بحث عن المؤامرات والتحكيم والعداء الكوني لناديه.
ومع الوقت يفقد الإنسان قدرته على الإنصاف، فيصبح أسيرًا للعاطفة لا للعقل.
والأسوأ أن هذا التعصب يُستغل أحيانًا لصرف الناس عن قضايا أهم، فيُستهلك الوعي في جدالات لا تُنتج إلا الضجيج.
المؤلم أن بعض الشباب أصبح يعرف تاريخ الأندية واللاعبين أكثر مما يعرف تاريخ أمته أو حتى مستقبله الشخصي.
يحفظ الإحصاءات والأهداف، لكنه لا يقرأ كتابًا، ولا يطوِّر مهارة، ولا يبني نفسه. وكأن الحياة اختُزلت في مدرج وصافرة حكم.
ليس المطلوب أن يتخلَّى الإنسان عن تشجيعه، فحب النادي شعور جميل حين يبقى في حدوده الطبيعية.
لكن المطلوب أن نتذكر دائمًا أن الرياضة لعبة، وأن الأخلاق أهم من الفوز، وأن قيمة الإنسان لا يحددها شعار يرتديه أو فريق يشجعه.
بالتالي، أكثر الناس نضجًا ليس أكثرهم صراخًا لفريقه، بل أكثرهم قدرة على أن يربح دون غرور، ويخسر دون إساءة، ويشجع دون أن يفقد إنسانيته.