د. فهد صالح عبدالله السلطان
لأنني لست سياسياً ولا أجيد لغة الساسة فلن أخوض في دوافع الحرب ونتائجها، وسأكتفي بقراءة المشهد العالمي لما بعد الحرب والمآلات (الناعمة لا الحسية) التي من المتوقع أن يعيشها العالم، وتظهر على شكل مرآة جديدة يشاهد كل لاعب من خلالها اللاعب الآخر.
المتتبع لمآلات الحرب الحالية الأمريكية - الإسرائيلية على إيران حتى تاريخه يلاحظ أنها تمخضت عن نتائج ودروس كبيرة وتحولات محلية وإقليمية وعالمية جذرية لم يسعفنا تاريخ الحروب بمثلها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.. ذاك لأنها أحدثت زلزالاً سياسياً وأيديولوجياً وتغييراً كبيراً في العلاقات العالمية والإقليمية والاتحادات الدولية.. وربما تفضي إلى إعادة ترتيب خريطة العالم السياسية (الناعمة) بشكل لم يسبق له مثيل منذ تشكلت هيئة الأمم المتحدة (1945). كما أنها زادت نسبة الوعي العالمي تجاه مصداقية بعض التحالفات العالمية بعد اصطدامها بالواقع في أول اختبار حقيقي لها.
وعلى الرغم من أن الحرب لم تنته رسمياً حتى تاريخه فقد أفرزت مشاهد كبيرة لعل من أهمها:
أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية
أحدثت الحرب زلزالاً ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً داخل أروقت المجتمع الأمريكي.. لقد أدرك الأمريكيون أنهم بلد غير مستقل سياسياً وأنه يجر (بضم الياء) إلى قرارات وأحداث استراتيجية قد تقوده إلى مزالق سياسية وتفضي إلى خسائر اقتصادية كبيرة على المدى البعيد. كما زاد وعي المواطن الأمريكي بأن بعض القرارات السياسية الإستراتيجية في بلده لم تعد مستقلة استقلالاً تاماً وأنها قد لا تتم وفق منهج مؤسسي تشارك فيه عدد من دوائر اتخاذ القرارات المصيرية.
ورد في صحيفة نيويورك تايمز رسالة تهاجم الرئيس ترامب تتضمن أنه: فشل في الحرب استراتيجياً ولم ينجح واستزف مخزون الصواريخ والمعدات الأمريكية وأضعف الصورة الذهنية عن بلده وعرض تحالفاتها الدولية لعدم الاستقرار.. والمتتبع لما يجري على الساحة الأمريكية يلاحظ أن الحرب غيرت وبشكل كبير الصورة الذهنية السائدة عن الحليف الرئيس إسرائيل لدى المجتمع الأمريكي، وكشفت لرجل الشارع الأمريكي سيطرة إسرائيل بشكل كبير على القرارات السياسية الاستراتيجية الأمريكية واستنزافها لمواردها الذاتية. تشير دراسات استطلاعية حديثة إلى أن نظرة الأمريكيين لإسرائيل أصبحت أكثر سلبية.. بعض التقديرات التي استندت إلى بيانات قريبة من استطلاعات Pew Research Center تقول إن نحو 60% من الأمريكيين أصبح لديهم نظرة سلبية لإسرائيل بعد الحرب بعد أن كانت 42% قبل الحرب وأن 92% يريدون إنهاء الحرب بسرعة. هذه التحولات تتضح بشكل جلي بين الشباب والديموقراطيين والمستقلين. كما كشفت الحرب أن أمريكا بقوتها الضاربة لا تستطيع عسكرياً أن تحقق كل ما تريد، ووضعت الحرب علامات استفهام على أنه باستثناء إسرائيل فإن البيت الأبيض لم يتمكن من تحقيق دعم معنوي أو تأييد للحرب من أي دولة في العالم، الأمر الذي أضعف تحالفاتها وهيمنتها السياسية.
وفي الجانب الاقتصادي فإن أكبر تحد تواجهه أمريكا حالياً هو ارتفاع معدل ومستوى الدين العام والذي وصل إلى 39 تريليون دولار وهو رقم خيالي بكل المقاييس لم يسبق له مثيل منذ 250 عاماً عمر الدولة. وفي الأشهر الثلاثة الماضية فقط زاد الدين بنسبة 1.4 تريليون وهو رقم مخيف جداً، ولولا طباعة الدولار لانكشف الاقتصاد الأمريكي بسرعة لا تتعدى بضعة أسابيع.
ثانياً: إيران
خسرت هذه الدولة العبثية بناءها العسكري لمدة تزيد على 47 سنة وأدركت مآلات النهج العدواني وربما سلمت بعدم قدرتها على الانسجام والتعايش مع محيطها، وأصبحت أكثر عزلة عن محيطها. وستحتاج إلى فترة زمنية طويلة لتعويض خسائرها وترميم عزلتها السياسية، ما لم تعد إلى الرشد وتتخلص من الكراهية والأعمال العبثية التي لن تزيدها إلا عزلة وتراجعاً.
لعلها تستفيد من دروس الحرب وتقرأ النوايا الحسنة لجيرانها ونصيحتهم لها بالعودة إلى الواقع ولغة المنطق والتعايش بسلام.
ثالثاً: دول الخليج العربية
لم تكن دول الخليج العربية بمعزل عن الحرب الأخيرة بسبب موقعها الجغرافي. لقد حاولت أطراف النزاع جرها إلى الحرب بكل ما يملكون من وسائل شيطانية بل وغير أخلاقية، ولكنها واستناداً - بعد الله - على حكمتها السياسية أفشلت مخططاتهم وأسقط بأيديهم وبقيت في منأى عن الحرب رغم أساليب الاستفزاز التي تم ممارستها من قبل البعض.. والكل يدرك الدور الريادي للمملكة العربية السعودية في هذا المسار الذي أثبت بعد النظر وحكمة القرار.
والمتوقع أن تفضي هذه الحرب إلى نتائج إيجابية على دول الخليج العربية - بإذن الله - وأن يتم تحويل التحديات إلى فرص من خلال قيام الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي بإعادة ترتيب علاقاتهم مع بعضهم البعض وتحالفاتهم الدولية وغير ذلك؛ مما ينعكس على زيادة أمنهم وأمانهم من الأعداء والمتربصين، والحفاظ على مكتسباتهم.
رابعاً: الهيئات فوق الأممية
لقد أدرك العالم بأقطابه المختلفة أن تكاليف تشغيل تلك الهيئات تفوق وبشكل كبير عوائدها الإيجابية ودورها في الاستقرار العالمي.
لا أعلم دوراً أساسياً تم من خلال أروقة هيئة الأمم المتحدة سواءً ما يتعلق بحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة أو الحرب الأمريكية والإسرائيلية العبثية على إيران أكثر من أن الأمانة العامة (تعرب عن قلقها) إزاء حرب الإبادة أو الحرب العبثية. والأمر ينطبق على الهيئات الأخرى سواءً الهيئات التشريعية أو هيئات حقوق الإنسان أو الهيئات الإعلامية... إلخ لقد اتضح أن العالم محكوم بمنطق القوة لا بقوة النظام الدولي وأدواته.
حفظ الله هذا البلد الكريم وحفظ لأهل الخليج جميعاً أمنهم وأمانهم.