د. سجى عارف
جيل اليوم لا يفتقد إلى المعرفة، بل يتنقل حاملًا كما هائلًا من المعلومات ويستطيع الحصول على ما يحتاجه بضغطة زر واحدة، لكنه يفتقد إلى المهارة لبناء هذه المعارف والمعلومات إلى مخرجات تتوافق وسوق العمل. كما أن الدراسات الحديثة تشير إلى وجود فجوة واضحة بين ما يتعلمه الطالب في القاعة الدراسية، وما يحتاجه في سوق العمل سواء في الإعلام أو التقنية، والصناعات الإبداعية، ولذا خريج اليوم يمتلك معرفة لكنه يفتقر إلى الممارسة والخبرة، ويمتلك شهادة لكنة لا يمتلك مهارة تتناسب مع سوق العمل بمعطياته الحالية.
هذه الفجوة لا تعالج بالمناهج وحدها، بل بربط التعليم بالواقع، وتوفير بيئات تدريب حقيقية داخل المؤسسات المهنية، وتحويل المناهج النظرية إلى مناهج مهارية تركز على التفكير الناقد، التحليل، حل المشكلات، الكتابة، البحث، مهارات الاتصال، ومهارات المستقبل.
ولا يمكن لأي اصلاح أن ينجح دون معلم قوي مؤهل، فهو حجر الأساس الذي لا غنى عنه، فالمعلم هو الذي يحول المنهج من كتاب إلى مهارة، ومن درس إلى وعي، ومن معلومة إلى قدرة، ورغم الجهود المبذولة لتدريب المعلم إلا أنه مازال عامًا غير متخصص، كمعلم ذكاء اصطناعي، معلم تقنية، معلم تحليل بيانات، معلم خرائط ورسوم بيانية، معلم لغة صينية، فالمعلم يجب أن يتطور كل عام لا كل عشر سنوات.
إن التعليم التطبيقي هو الطريق الأسرع لسد الفجوة فهو أحد الحلول التي تتوافق مع رؤية المملكة 2030، فبدلًا من بقاء الطالب يوميًا في قاعة الدراسة النظرية يتوجب على الجامعة والمدرسة إرساله إلى الصحف والمؤسسات الإعلامية، والشركات التقنية، والمصانع، والمستشفيات، والمؤسسات الحكومية والجمعيات الخيرية والتطوعية، بهذا يتحول التعليم النظري إلى تجربة حقيقية، ويصبح الخريج جاهزًا لسوق العمل منذ يومه الأول.
وسؤالي لكم، لماذا لا نستثمر في المؤسسات الوطنية القائمة؟ فالمؤسسات في المملكة تمتلك جاهزية كاملة لتكون هي مراكز تدريب وطنية دون الحاجة لإنشاء كيانات جديدة، فالصحف والشركات الوطنية والهيئات تمتلك الخبرة، والبيئة العملية، والأدوات، والكوادر، وحتى شبكة العلاقات، وبالتالي من المهم استثمار هذه المؤسسات في تدريب طلاب الجامعات من منطلق المسؤولية الاجتماعية ومن باب دعم المؤسسات ماليًا بدلًا من دفع رسوم التدريب لمراكز منشئة حديثًا، لنحقق معادلة: تطوير التعليم ودعم المؤسسات الوطنية لتصبح مراكز تدريب وربطها بالجامعات.
تعزيز الشراكات بين المؤسسات التعليمة في القطاع العام والجامعي مع القطاع الخاص من خلال البحث العلمي مطلب رئيسي كي يصبح البحث جزءًا من التنمية عبر تمويل الشركات للأبحاث، ومُشاركة الجامعات في المشاريع الوطنية، وأن تُنشأ مراكز بحث مشتركة لدراسة مستقبل التنمية الوطنية المستدامة، والاهتمام بالتمويل البحثي، خاصة أن الأبحاث التطبيقية قليلة مقارنة بالأبحاث النظرية.
لا نغفل كذلك عن أهمية البنية الرقمية في المدارس والجامعات، فرغم التقدم الكبير في التعليم الرقمي إلا أن البيئات التعليمية مازالت تحتاج إلى تجهيزات حديثة تواكب تطلعات العصر، كما أن تكامل المنصات التعليمية حضورية كانت أو عن بعد يحتاج إلى مزيد من التطوير والمحتوى الرقمي إلى إثراء وتطوير مستمر، خاصة في المؤسسات التعليمية التي تتميز بوجود معامل رقمية، وفصول ذكية، وأدوات تعليم تفاعلية ومحتوى رقمي سعودي عالي الجودة.
إن تطوير التعليم ورفع مهارات الخريجين مسؤولية منظومة كاملة تبدأ من ربط التعليم بالواقع، وتمكين المعلم، واستثمار المؤسسات القائمة، وتحويل المعرفة إلى مهارة، فالتعليم الذي نريده ليس تعليمًا يُخرّج طلابًا بل تعليمًا يصنع قدرات ويبني اقتصادًا، ويواكب طموح وطن يتقدم بثقة نحو المستقبل.
والتعليم في المملكة يسير في الاتجاه الصحيح لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى تعليم تطبيقي، ومعلم محترف، ومناهج مهارية، وشراكات مع القطاع الخاص، واستثمار في المؤسسات القائمة بدل من إنشاء كيانات جديدة ليصبح التعليم رافدًا حقيقيًا للاقتصاد الوطني، ويصبح الخريج قادرًا على المنافسة عالميًا.