د.عيد بن حجيج الفايدي
ارتبط القلم بالوحي في أول ما نزل من القرآن الكريم في قوله تعالى «الذي علّم بالقلم»، وهي دلالة عميقة على أن الكتابة كانت منذ البداية وسيلة التعلم والتعليم، كما ورد في القرآن الكريم هذه القيمة في قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} حيث يُرفع شأن الكتابة إلى مستوى الشهادة على الحقيقة وحفظها عبر الزمن. وقد تجسدت هذه القيمة عمليًا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته حين اعتُمدت الكتابة وسيلة لحفظ الوحي ونقل العلم، فكان القلم أداة بناء حضاري لا مجرد وسيلة تسجيل.
وفي المقابل، يشهد العالم اليوم تحولًا ملحوظًا في الخروج من التعليم الرقمي وعودةً إلى القلم الطبيعي والكتابة على صفحات الورق، فبعد سنوات من الانبهار بالشاشات والتقنيات الحديثة بدأت تتكشف آثار سلبية تتعلق بتشتت الانتباه وضعف الفهم العميق، وهذا التحول لا يعني رفض التقنية بل إعادة تقييم دورها والتمييز بين استخدامها كأداة مساعدة وبين تحويلها إلى بديل كامل عن القلم والورق. وتشير بعض الدراسات إلى أن الكتابة اليدوية تُنشّط مناطق متعددة في الدماغ وتُسهم في ترسيخ المعلومات في الذاكرة طويلة المدى، فالكتابة بالقلم ليست مجرد نقل للمعلومة بل عملية عقلية مركبة تجمع بين الفهم والحركة والتذكر، وعلى العكس من ذلك تميل الكتابة عبر لوحة المفاتيح إلى الطابع الآلي مما يقلل من عمق المعالجة الذهنية.
وقد انعكس هذا الوعي الجديد في إستراتيجيات التعليم بدول متقدمة، إذ بدأت دول أوروبية مثل السويد وفرنسا في إعادة الاعتبار للكتب الورقية داخل الفصول الدراسية بعد أن لاحظت تراجع مهارات القراءة والتركيز لدى الطلاب، كما واجهت دول آسيوية مثل كوريا الجنوبية تحديات تتعلق بضعف الفهم القرائي نتيجة الاعتماد المفرط على الوسائط الرقمية، ومن المفارقات اللافتة أن بعض رواد التقنية أنفسهم يفضلون إلحاق أبنائهم بمدارس تقل فيها الشاشات إدراكًا منهم لأثر البيئة الحسية المباشرة في بناء التفكير العميق.
وفي سياق موازٍ، تسير العديد من دول آسيا وإفريقيا في اتجاه معاكس حيث تتبنى الرقمنة بشكل متسارع دون تهيئة كافية للبنية التحتية أو تأهيل المعلمين، وغالبًا ما يكون هذا التوجه مدفوعًا بالرغبة في مواكبة المظهر الحضاري أكثر من كونه نابعًا من تقييم علمي دقيق، وأمام هذا الواقع تبرز الحاجة إلى تبني رؤية متوازنة تقوم على مبدأ التكامل بين الوسائل التعليمية التقليدية والرقمية، والتركيز على الكتابة اليدوية في مراحل التأسيس، مع الاستثمار في تدريب المعلمين وبناء سياسات تعليمية مستقلة تستند إلى البحث، وتعزيز وعي الأسر بمخاطر الإفراط في استخدام الشاشات في سن مبكرة.
إن الأمر لا يكمن في الاختيار بين القلم والتقنية بل في تحديد موقع كل منهما ضمن منظومة تعليمية متوازنة، فالتقنية تظل أداة فعالة في البحث والإنتاج بينما يبقى القلم والورقة الأساس الذي يُبنى عليه التفكير العميق، ومن ثمّ فإن العودة إلى القلم ليست تراجعًا بل هي عودة إلى الأصل الذي أقره الوحي وأثبته العلم الحديث، ولعل خير وسيلة لإدراك الفجوة التي أحدثها العصر الرقمي هي دعوة طالب اليوم إلى كتابة نص بالقلم والورقة وعند حصر الأخطاء تدرك عمق الفجوة، وللقلم في الشعر مكانته السامية ليس كأداة فحسب بل كرمز للمجد، حيث يقول المتنبي «والسيف والرمح والقرطاس والقلم».