د.شريف بن محمد الأتربي
يظل المستقبل هاجس أولياء الأمور منذ ولادة الطفل وحتى بعد التخرج الجامعي، فمع اللحظات الأولى من الولادة يبدأ التساؤل، أين سيدرس هذا المولود، حكومي، أم أهلي؟ أهلي وطني، أم تعليم أجنبي؟ تعليم أجنبي مسار أمريكي، أم مسار بريطاني؟ دوائر من الأسئلة تتقاطع فيما بينها لتشكل في وجدان الطالب أن الدرجة هي المستقبل، وأن الزميل هو المنافس الذي قد يمنعك من دخول الجنة أقصد الجامعة، فتبدأ التنافسية مبكرا، وتصطدم بالقيم والعادات والتقاليد المجتمعية، وتتحول في بعض الأحيان إلى سلوكيات غير تربوية، بل أن بعض أولياء المور في بعض الدول يلجؤون إلى ظاهرة التغشيش عبر وسائل متعددة لتوصيل الإجابات إلى الأبناء أثناء الاختبارات وذلك لضمان الدرجات.
لقد شهد العقد الأول من هذا القرن تحولات علمية وتقنية فاقت في مجملها كل ما مر به العالم عبر القرون الماضية.
فظهور الإنترنت أو الشبكة العنكبوتية في حد ذاتها يعتبر علامة فارقة بين ما سبقها وما تلاها، أضف إلى ذلك عالم تعلم الألة، والبيانات الضخمة، و.... هذا كله اثر على العملية التعليمية برمتها، فلم يعد الكتاب المدرسي، ولا المعلم هما الوسيلتان الوحيدتان أمام الطالب ليحصل على المعرفة، بل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، والجروبات الخاصة، وحتى الإنترنت المظلم (The Dark Web) أصبح من العوالم الخفية عن الأسرة والتي يعيش فيها الطالب بمعزل عمن حوله وحتى عن نفسه.
ورغم هذه التحولات الفائقة السرعة إلا أن سؤالًا جوهريًا ما زال يفرض نفسه بقوة داخل الصفوف الدراسية والجامعات وأروقة السياسات التعليمية: مع من يتنافس الطالب فعلًا؟ هل يتنافس مع زميله للحصول على أعلى درجة؟ أم يتنافس مع ذاته لتطوير قدراته ومعارفه؟ أم أن التنافس الحقيقي يجب أن يكون مع متطلبات المستقبل وسوق العمل؟
هذا السؤال لا يرتبط فقط بفلسفة التعليم، بل يتصل مباشرة بجودة المخرجات التعليمية، وبقدرة المؤسسات التعليمية على إعداد إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير والإبداع، وليس مجرد القدرة على اجتياز الاختبارات والحصول على الدرجات.
فالدرجة الدراسية، رغم أهميتها في كثير من الأنظمة التعليمية، قد أصبحت في بعض الأحيان غاية بحد ذاتها بدلًا من أن تكون مؤشرًا على التعلم الحقيقي.
وهنا تظهر الإشكالية الكبرى: هل كل طالب يحصل على درجة مرتفعة يمتلك فعلًا المعارف والمهارات التي تعكسها تلك الدرجة؟
ثقافة التنافس على الدرجات
في كثير من المجتمعات، يرتبط النجاح الأكاديمي ارتباطًا وثيقًا بالمعدل والدرجات النهائية. ويبدأ هذا الضغط منذ المراحل الدراسية الأولى، حيث تتم مقارنة الطلبة ببعضهم البعض بصورة مستمرة، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو المجتمع. وتعزز بعض الأنظمة التعليمية هذا النمط من التفكير عبر:
- ترتيب الطلبة وفق المعدلات.
- التركيز على الاختبارات المعيارية.
- ربط القبول الجامعي بالدرجات فقط.
- تقديم المكافآت والفرص بناءً على الترتيب الأكاديمي.
وبمرور الوقت، يتحول التعليم لدى بعض الطلبة إلى سباق رقمي، تصبح فيه الدرجة أهم من الفهم، والحفظ أهم من التفكير، والنجاح في الاختبار أهم من اكتساب المهارة.
وقد حذّر عدد من الباحثين التربويين من هذه الظاهرة، حيث يرى عالم التربية الأمريكي John Dewey أن التعليم الحقيقي لا يقوم على التلقين واجتياز الاختبارات، بل على بناء الخبرة وتنمية التفكير النقدي وربط المعرفة بالحياة الواقعية.
هل الدرجة تعكس المعرفة فعلًا؟
لا يمكن إنكار أن التقييم والاختبارات أدوات ضرورية في العملية التعليمية، لكنها تصبح إشكالية عندما تختزل التعلم في رقم نهائي.
فالطالب قد يحصل على درجة مرتفعة لأسباب متعددة، منها:
- قوة الذاكرة قصيرة المدى.
- القدرة على حفظ نماذج الأسئلة.
- التدريب المكثف على الاختبارات.
- الدعم الخارجي أو الدروس الخصوصية.
لكن هذه العوامل لا تعني بالضرورة امتلاك فهم عميق أو قدرة على التطبيق العملي.
وفي المقابل، قد يمتلك طالب آخر مهارات تحليلية وإبداعية مرتفعة، لكنه لا يحقق الدرجة نفسها بسبب طبيعة الاختبارات التقليدية التي تقيس جانبًا محدودًا من التعلم.
ولهذا بدأت العديد من المؤسسات التعليمية العالمية بإعادة النظر في مفهوم التقييم، والانتقال من «تقييم الحفظ» إلى «تقييم الكفاءة».
التجربة الفنلندية: التعلم قبل الدرجات
تُعد Finland من أبرز النماذج التعليمية التي أعادت تعريف معنى النجاح الأكاديمي.
ففي النظام الفنلندي:
- تقل الاختبارات المعيارية بصورة كبيرة.
- لا يتم التركيز على ترتيب الطلبة.
- يتم تعزيز التعلم التعاوني بدل التنافس الفردي.
- يُمنح الطالب مساحة للتعلم وفق قدراته واهتماماته.
وقد حققت فنلندا نتائج متقدمة عالميًا في اختبارات OECD الخاصة ببرنامج PISA ، رغم أنها لا تعتمد ثقافة الضغط الأكاديمي التقليدي.
ويرجع كثير من الباحثين هذا النجاح إلى التركيز على بناء مهارات التفكير، والاستقلالية، وحل المشكلات، بدل التركيز المفرط على الدرجات.
التجربة السنغافورية: من «التعليم للاختبار» إلى «التعليم للحياة»
رغم أن Singapore عُرفت طويلًا بصرامتها الأكاديمية وارتفاع نتائج طلبتها، فإن الحكومة السنغافورية أدركت لاحقًا خطورة الاعتماد المفرط على ثقافة الامتحانات.
ولهذا أطلقت وزارة التعليم هناك مبادرة «Teach Less, Learn More»، أي «علّم أقل ليتعلم الطلبة أكثر»، بهدف:
- تقليل الحفظ والتلقين.
- تنمية الإبداع والابتكار.
- تعزيز التعلم العميق.
- إعداد الطلبة لسوق العمل المتغير.
وقد بدأت الجامعات وأرباب العمل في سنغافورة بإعطاء أهمية أكبر للمهارات العملية، والعمل الجماعي، والقدرة على الابتكار، وليس فقط للمعدل الأكاديمي.
الجامعات العالمية وسؤال المهارات
في السنوات الأخيرة، بدأت جامعات وشركات عالمية عديدة بالتشكيك في الاعتماد المطلق على المعدلات الدراسية. فعدد من الشركات التقنية الكبرى مثل Google Careers وIBM Careers و Apple Careers أصبحت تركز بصورة أكبر على:
- المهارات العملية.
- التفكير النقدي.
- القدرة على حل المشكلات.
- العمل الجماعي.
- الإبداع والابتكار.
بل إن بعض الدراسات الحديثة أشارت إلى أن الأداء الوظيفي لا يرتبط دائمًا بالمعدل الجامعي المرتفع، بل بمجموعة مركبة من المهارات الشخصية والمعرفية والتطبيقية.
التنافس الحقيقي: مع الذات أم مع الآخرين؟
من منظور تربوي حديث، فإن أكثر أنواع التنافس فاعلية هو «التنافس مع الذات»، أي أن يقارن الطالب أداءه الحالي بأدائه السابق، ويسعى إلى التطور المستمر.
هذا النوع من التنافس يحقق عدة فوائد:
- يعزز الدافعية الداخلية.
- يقلل القلق الدراسي.
- يبني الثقة بالنفس.
- ينمي حب التعلم.
يشجع على الاستمرارية والتحسن التدريجي.
أما التنافس المفرط مع الآخرين، فقد يؤدي أحيانًا إلى:
- القلق والخوف من الفشل.
- الغش الأكاديمي.
- ضعف التعاون بين الطلبة.
- ربط قيمة الإنسان بدرجته فقط.
ولذلك تدعو كثير من الاتجاهات التربوية الحديثة إلى بناء بيئات تعليمية تشجع على «النمو الشخصي» بدل «الصراع الأكاديمي».
ماذا يريد سوق العمل اليوم؟
يشهد العالم تغيرًا متسارعًا بفعل الثورة التقنية والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وأصبح سوق العمل يبحث عن خريج يمتلك:
- القدرة على التعلم المستمر.
- المرونة والتكيف.
- مهارات التواصل.
- التفكير التحليلي.
- الإبداع.
- إدارة المشكلات.
وهذه المهارات لا تُقاس دائمًا عبر الاختبارات التقليدية أو الدرجات النهائية.
ولهذا بدأت كثير من الجامعات العالمية بالاعتماد على:
- المشاريع التطبيقية.
- ملفات الإنجاز (Portfolio).
- التدريب العملي.
- التقييم القائم على الكفاءات.
وهي جميعها أدوات تهدف إلى قياس «ما يستطيع الطالب فعله»، وليس فقط «ما يستطيع حفظه».
نحو إعادة تعريف النجاح التعليمي
إن اختزال التعليم في رقم أو معدل يمثل تبسيطًا مخلًا لعملية إنسانية معقدة وعميقة. فالهدف الحقيقي من التعليم لا ينبغي أن يكون مجرد الحصول على شهادة أو درجة مرتفعة، بل بناء إنسان قادر على التفكير والعمل والإبداع والمساهمة في المجتمع.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الدرجات، فهي تبقى أداة مهمة للتقييم والفرز الأكاديمي، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الدرجة إلى الهدف النهائي بدل أن تكون وسيلة لقياس التعلم. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات التعليمية اليوم يتمثل في تحقيق التوازن بين:
- التقييم الأكاديمي.
- بناء المهارات.
- تنمية الشخصية.
- إعداد الطلبة للحياة وسوق العمل.
وفي الختام يبقى السؤال قائمًا: مع من يتنافس الطالب؟ ربما تكون الإجابة الأعمق أن الطالب لا ينبغي أن ينشغل فقط بمنافسة زميله، بل بمنافسة نسخته السابقة، وبالسعي المستمر نحو تطوير ذاته علميًا ومهاريًا وإنسانيًا.
فالدرجات قد تفتح باب الجامعة، لكنها وحدها لا تصنع النجاح الحقيقي. أما المعرفة العميقة، والمهارة، والقدرة على التعلم المستمر، فهي التي تصنع الإنسان القادر على مواجهة المستقبل وصناعة أثر حقيقي في حياته ومجتمعه.