«الجزيرة» - عبدالعزيز بن سعود المتعب:
الشاعر الأمير الدكتور سعود بن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن آل سعود واجهة مشّرفة للشعر الشعبي السعودي (العمودي منه والتفعيلة) في كل أغراض الشعر التي تطرّق إليها ببصمة تميز تداعياته وأخيلته ورموزه وصوره، من وجدانه الإبداع ناض وهلّت سُحبه (قلبي تولّع بالرياض) وهو الديوان الذي طُرِح في حلّة قشيبة. لن أتحدث - من منظور نقدي - عن شاعرية (أبو عبدالله) ليقيني بمعرفة رفيعي الذائقة بروائعه المواكبة المختلفة طيلة نجاحات حضوره التراكمي الوهاج لذا جاء الديوان وافيا في البعد البلاغي: (جودة الألفاظ، ابتكار الصور الشعرية، وعذوبة الموسيقى الداخلية) البعد الجمالي: (التناسق في ترتيب القصائد، وبراعة الاستهلال، والخاتمة) البعد المادي «الطباعة»: (جودة التصميم الخارجي للديوان، والخطوط المستخدمة، والتنسيق العام الذي يريح عيون القارئ).
جاء الإهداء في مقدمة الديوان بخط يد سموه بما نصه: (كتبت هذا الديوان شعرا لوطني.. لمن أحبّ لجرحي). وينم عن «براعة الاستهلال» ومهارة الشاعر في اختيار كلمات افتتاحية الديوان وبطاقة تعريف لمحتوى يتماهى مع نبل فحوى ما أشار إليه.
جاءت القصيدة الأولى من الديوان في مقام مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أطال الله عمره وأدام عزّه-:
سلام الله على تاج الديار ونجمها المعروف
سلام الله على اللي من سألني وقف الساعه
يمر اليوم مثل العام كن الوقت به مكلوف
وأنا طيرٍ يشوف النور سبقه يخلف أسناعه
أنا يا سيدي سلمان غيرك في العرب ما شوف
أبوي اللي غمرني بالرضا والطيب بانواعه
تشيل حمولنا واقف وحنا في مداك سيوف
سيوفٍ في ذرى بشتك تقول السمع والطاعه
يا حاكم في القلوب أوطان لاوطان القلوب اسقوف
سقوفٍ شالتك بالحب وأنت الحب زرّاعه
حملك طويق والمصمك وخليت السنين كتوف
وصب مربعك فنجال حبك جنب مقداعه
من الحب القديم أقول حب وللزمان ظروف
تجدد ما مضى والصبح بين يديك بشعاعه
تشيل السحب في كفك وتمشي والسحاب وقوف
ويفل الجود لك جنح النهار ويبني شراعه
وجاءت القصيدة الثانية في الديوان في مقام سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أطال الله عمره وأدام عزّه- ولي العهد رئيس مجلس الوزراء:
كتفٍ تشيل طويق والشرق والغرب
وتشيلها من شامها لا يمنها
سيف العرب بتّار لامسهم كرب
وضحكة حجاجه بس تامر وتنهى
هذا الشجاع القاسي الليّن الذرب
نوّخ ذلول المجد واحكم رسنها
هذا محمد هو بقى فالحكي درب
اللي المعالي فالمعالي قرنها
هذا حفيد معزّي إن سولف العُرب
اللي خِلق للدار وازهر زمنها
يا دار ماريبه رخَى وانتخي حرب
واستاسديبه قلب الارض ووطنها
طر يا حمام العز سربٍ ورى سرب
غن الديار وحدّث الناس عنها
دامه محمد لاظمينا لنا شرب
وش عاد هالدنيا وقولت وهنها
ولأن قصائد الرثاء في نخبة الرجال وإبراز شرف أرومتهم وسمو مكارم أخلاقهم محك للشاعرية الفذّة فقد تعامل النقد الأدبي القديم والحديث مع هذه القصائد بوصفها مرآة تعكس القيم المجتمعية الفضلى وهو ما ضمّنه شاعرنا مرثياته لمن هم أشهر من نار على علم في بيانه لمكارمهم ونبلهم -رحمهم الله- «الكرم والشجاعة والوفاء والحلم وإغاثة الملهوف» في نهج بلاغي أدبي زاخر بالصور الفنية (التشبيهات والاستعارات) والسبك اللغوي والموسيقى الشعرية من ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- مرثية شاعرنا الجزل في خاله سمو الأمير محمد بن سعود الكبير (شقران) رحمه الله على الصفحة رقم 193 ومنها:
هل السحاب اللي بلا برق ورعود
اللي سماه العين وأرضه لحانا
من مسجد الديره تواصل إلى العود
نبكي ولكن مانفعنا بكانا
لو هو بدمع وفدوة ارواح بيعود
والله ماننكف وقبره ورانا
لا فالبكا عيبٍ ولا الحزن منقود
تعازم الدمع العزيز وحكانا
صارت وجيه الناس من هولها سود
وأظلم بوقت الظهر كل المكانا
لاهنت يا راسٍ يقود العلا قود
عساه من دنيا القنا للجنانا
شيخٍ زمان الناس طارد ومطرود
يوم الليالي للرجال امتحانا
رقا سنام المجد فعلٍ ومجهود
يشهد على ماقلت بنت الحصانا
لاجا نهارٍ فيه عجٍ وبارود
يرخي لعجلات اللحوق العنانا
اقطع من الفولاذ والسيف مجرود
ينادي الخايف مكانك حمانا
لاجاه منهو من عنا الوقت محدود
يلقى المعزّه عقب طول الهوانا
وان جاه محتاجٍ يبي منه مقصود
يرجع بعجلات العطايا السمانا
ويعد اعتزاز الشاعر بنفسه في القصيدة وتخليد جدارته وإبداعه غرضا فنيا أصيلا يعكس ثقته المطلقة بموهبته وهي مزيّة متعارف عليها عند أبرز الشعراء في الشعر الفصيح وصنوه الشعبي تدعمها الخصائص الأسلوبية للشاعر في القصيدة مثل استخدام الجمل الخبرية «لتقرير الحقائق وإثبات التفوق»، والأساليب الإنشائية والتوكيد والصور البيانية والمحسنات البديعية وهو ما يتماهى مع قصيدة -خاتم الشعر- على الصفحة رقم 9:
يا عيوني كفاك سهاد غفّي
مهرة الشعر عن غيري حقوله
خاتم الشعر والمارد بكفّي
طاله العلم والاّ لا يطوله
القلم من طواريقي يجفّي
وفارس الشعر تفرح به خيوله
يا أبيض الودّ ما قلته يكفّي
وخل بعض الحكي غيري يقوله
قلب شاعرك صاطي مايرفّي
والجمل ما شكا ظهره حموله
ليت هالشعر لعيونك يوفّي
القصايد من عيونك خجوله
وممّا جاء على الصفحة رقم 218 من الديوان:
تغنى بكلمات الشاعر الأمير الدكتور سعود بن عبدالله (عدد من كبار الفنانين العرب في أكثر من 127 عملا فنيا وصدر له في مطلع الألفية الجديدة ثلاثة دواوين في سنة واحدة وهي خاتم الشعر والمارد، خيل الفكر، والأسامي، وإلى جانب الشعر له مؤلفات أكاديمية منها الإدارة العامة في المملكة العربية السعودية وتدريب الموارد البشرية. أقيمت له أكثر من 16 أمسية وأول من كتب أوبريتاً سعودياً «مولد أمة» سنة 1989م في مهرجان الجنادرية وكان من أوائل المتطوعين والمشاركين في حرب الخليج الأولى وكتب عددا من الأعمال الوطنية التي تغنت بحب الوطن وقياداته، كما أن محبي سموه والإعلام السعودي والخليجي أطلقوا عليه لقب -شاعر الحلم والوطن- كُرّم الأمير د. سعود بن عبدالله لما قدّمه للوطن وللحب من قبل الهيئة العامة للترفيه ضمن فعاليات موسم الرياض في أمسية شعرية وفنية شهدت تفاعلا غير مسبوق).
اما قصائد الغزل لدى شاعرنا المتميز المعروف بنهجه الخاص ففيها أسلوب أدبي رفيع يمزج بين العاطفة الصادقة والبناء الفني المتقن يبرز أسلوبه عبر تدفق المشاعر بصدق وتلقائية والصور الفنية المبتكرة إلى جانب جزالة الألفاظ وعذوبتها التي تلامس الوجدان ولطالما ردد الناس قصائده التي تُعدّ ركيزة في الأغنية السعودية فهو أحد أهم وأبرز شعراء الأغنية في الشعر «العمودي والتفعيلة»:
تدري إنك غير كل الناس والله
وتدري إن الحب مخلوقٍ عشانك
يا حبيب الروح خذت القلب كلّه
والحنان اللّي بهالدنيا حنانك
كل دربٍ في معاليقي تدلّه
في خفوقٍ قد حلف ما يوم خانك
يحمد الله قلبي إنك صرت خلّه
وله عيونٍ ما تشوف إلاّ زمانك
في هواك اللّي يظلّلني بظلّه
وكل كلمة حب تفرق من لسانك
كان لك شك فهوى قلبي فخلّه
او تعال وشوف في قلبي مكانك