باسم سلامة القليطي
في زحام الحياة اليومية، قد تمر بنا لحظات تبدو في ظاهرها عابرة، لكنها في جوهرها أبواب مواربة نحو آفاق من الرحمة. يروي لي صديق، والغصة تخنق صوته، عن موقف جرى معه في «سوبر ماركت» الحي؛ حيث اقترب منه رجل خمسيني بملامح وقورة تقاوم الانكسار، وقال بصوتٍ خافت غلبه الحياء: «أريد بيضا وحليبا وخبزا ودجاجا». كانت لحظة مباغتة، استوعب فيها صديقي أن الله قد اختاره في تلك الثانية ليكون جسرا لرزقٍ سِيق لهذا الرجل، فقال له دون تردد: «تفضل خذ ما تريد»، ولم يكتفِ بذلك، بل حين رأت طفلة الرجل لعبة وأرادتها، أومأ للأب بابتسامة مطمئنة: «دعها تأخذها». استدار صديقي مبتعدا ليغالب دموعه، شاكرا الله أن سخره لهذا العمل البسيط الذي يراه في ميزان الروح خيرا كبيرا.
هذا الموقف الحيّ هو التجسيد العملي لمقولة التابعي الجليل خالد بن معدان: «إذا فُتح لأحدكم باب خير فليسرع إليه، فإنه لا يدري متى يُغلق عنه». إن الخير ليس مجرد فعل نقوم به وقت فراغنا، بل هو «نفحة» ربانية تأتي في توقيت محدد؛ فإذا لم تقتنصها في لحظتها، قد يغلق الباب بعائق من مرض، أو ضيق ذات يد، أو انشغال قلب، أو حتى برحيل عن هذه الدنيا. الحكمة هنا ليست في «ماذا» ستفعل، بل في «متى» ستفعل، فالمسارعة هي روح الإحسان.
إن فلسفة «الاستباق» التي قررها القرآن الكريم في قوله تعالى: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ»، تنبهنا إلى أن العمل الصالح له «عمر افتراضي» في قلب المؤمن. فالقدرة المالية قد تزول، والصحة قد تخون، والهمة قد تفتر. لذا، فإن التأجيل في عالم الخير هو مقامرة خاسرة، والموفق هو من يتعامل مع فرصة الإحسان كأنها الفرصة الأخيرة، مدركا أن الله إذا ساق إليك محتاجا، فقد ساق إليك هدية لتطهر بها نفسك قبل أن تسد بها جوعه.
تأمل معي حال ذلك الرجل؛ لم يكن يطلب مالا للادخار، بل طلب «قوت يومه» بكرامة تئن تحت وطأة الحاجة. حين تبادر في مثل هذه اللحظات، أنت لا تغير حياة الآخرين فحسب، بل تعيد صياغة قلبك. إن شعور «السخرة للخير» هو من أرقى المشاعر الإنسانية، وهو الرزق الحقيقي الذي يسبق الأجر الأخروي. هذه «التفاصيل الصغيرة» في العطاء، هي التي تمنح حياتنا معناها الأعمق، وتجعلنا ندرك أننا مجرد وسطاء لرحمة الله في أرضه.
وكما قيل قديما في أبيات من الحكمة:
لَيسَ في كُلِّ سـاعَةٍ وَأَوانِ
تَتَهَيَّأُ صَنـائِعُ الإِحســانِ
فَإِذا أَمكَنَت فَبادِر إِلَيها
حَذَراً مِن تَعَذُّرِ الإِمكانِ
وَاغتَنِمها إِذا قَدَرتَ عَلَيها
حَذَراً مِن تَغَيُّـرِ الأَزمــانِ
الزمن ليس مضمونا، والفرص لا تأتي بجدول زمني مريح. المبادرة هي فعل مقاومة ضد النسيان والتكاسل، وحذرٌ من «تغير الأزمان» التي قد تحول بينك وبين أبسط أفعال البر. فإذا وجدت في قلبك رقة تجاه قريب، أو رغبة في صدقة، أو قدرة على نجدة ملهوف، فاجعل «الآن» هو قرارك الوحيد، حذرا من أن تصبح القدرة عجزا، والتمكين تعذرا.
ختاما، إن صناعة المعروف هي التجارة التي لا تبور، وشرط ربحها هو «خفة الحركة» نحو الخير. لا تنتظر كمال الظروف، فالحاجة لا تنتظر، والأقدار لا تمهل. كن ذاك الذي إذا رأى فرصة لبرّ أو صلة أو جبر خاطر، انقضّ عليها كغريق وجد طوق نجاة، مستشعرا أن كل باب خير يُفتح لك هو دعوة خاصة من الخالق سبحانه لتكون من أهله، فأجب الدعوة قبل أن يُسدل الستار، وتذكر دائما: المعنى الكبير يكمن في سرعة المبادرة، لا في حجم العطاء فحسب.