عبدالرحمن الحضري
سنَّت الدولة -أيَّدها الله- تشريعات حكيمة وقوانين ملزمة للقطاعات الحكومية والأهلية؛ لضمان تقديم أفضل الخدمات وأرقاها لفئة كبار السن. وقد تجلَّى هذا الاهتمام في إلزام الجهات الخدمية بوضع لوحات إرشادية واضحة تؤكد أولوية هذه الفئة، وتوّجت ذلك ببطاقة «امتياز» لتكون بمنزلة جواز عبور يختصر عليهم الوقت والجهد، تقديرًا لعطاء شبابهم، وتخفيفًا عنهم في كبرهم.
وعلى الرغم من هذا التوجه النبيل، يصطدم الرقي التشريعي -أحيانًا- بواقع مؤسف خلف بعض «كاونترات» الخدمة. ففي مشهد يبعث على التساؤل، يقف الشيخ الكبير الذي أوهنته السنون وأثقلت كاهله الأيام، حاملاً تاريخه، أمام موظف غارق في تجاذب أطراف الحديث مع زميل له أمام شاشة الحاسوب.
وبدلاً من أن يبادر هذا الموظف بالترحيب، وتقديم الخدمة لمن هو في مقام والده، يُفاجأ المسن ببرود تام. ودون أن يكلّف الموظف نفسه عناء الاتصال البصري، يلقي بكلماته بلا مبالاة: «شف زميلي.. جهازي عطلان» هكذا دون أسف أو اعتذار، هذا إن سلمنا جدلاً بأن الجهاز معطل بالفعل، ولم يكن مجرد عذر جاهز للتهرب من العمل واستكمال الحديث الجانبي.
هذا السلوك لا يمثّل مخالفة صريحة لتوجيهات الدولة التي جعلت خدمة كبار السن أولوية قصوى فحسب؛ بل يعد خرقًا لقيمنا الأصيلة التي توصي بتوقير الكبير. فالمسن حين يراجع جهة ما، لا يبحث عن شفقة يستجديها، بل يطالب بحق أصيل كفلته له الأنظمة، ووجب على منفذي الخدمة الالتزام به روحًا ونصًا.
القوانين واللوحات الإرشادية وبطاقات الامتياز، على بالغ أهميتها، ستظل نصوصًا صامتة وحبرًا على ورق ما لم تُترجم إلى سلوك حي ينبض بالاحترام من قِبل الموظفين. وتبقى الرقابة الإدارية، والوعي بأخلاقيات المهنة، هما الضمانة الحقيقية كي لا تقف أعذار «الأجهزة المعطلة» حاجزًا أمام صون كرامة كبارنا ورد الجميل لهم.