الحج عبادة عظيمة شرعها الله عزَّ وجلَّ في أيامٍ معلومات، فقال سبحانه: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ}، فجعل للحج حرمةً وهيبة، وربط قبوله بالسكينة والطاعة وحسن الامتثال. ومن يتأمل حال الحج في هذا العصر يرى حجم الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وحتى هذا العهد الزاهر، في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من الحجاج والمعتمرين.
تعاقب الملوك على هذه البلاد المباركة، وكل مرحلة تحمل تطويرًا جديدًا، حتى أصبح الحج اليوم رحلة آمنة ميسَّرة، يصل فيها الحاج من أقصى الدنيا ليجد السكن المهيأ، والتنقّل المنظّم، والرعاية الصحية، والغذاء، والمياه، وكل ما يحتاجه لأداء نسكه بطمأنينة وراحة. وفي المشاعر المقدسة ترى المستشفيات والمراكز الطبية والعيادات المتنقّلة وقد جُهِّزت بأحدث الإمكانات، حتى أصبحت تُجرى فيها أدق العمليات الجراحية والخدمات العلاجية مجانًا لضيوف الرحمن، في صورة حضارية يشهد بها المنصفون من مختلف دول العالم.
وحينما تؤكد الدولة على ضرورة استخراج تصريح الحج، فإنها لا تفعل ذلك تضييقًا على أحد، وإنما حفاظًا على سلامة الحجاج وتنظيم المشاعر وحماية الأرواح. فالحج عبادة تقوم على النظام، ومن حصل على التصريح إنما أخذ حقه النظامي في مكانه وخدماته وتنقّله. أما المتسلِّل بلا تصريح، فإنه يزاحم الآخرين ويعتدي على حقوقهم ويخالف الأنظمة التي وُضعت لمصلحة الجميع. وطاعة ولي الأمر أصل شرعي جاءت به النصوص، والله عزَّ وجلَّ يقول: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، فكيف يطلب الإنسان القبول وهو يتحايل على الأنظمة ويخالف التعليمات ويبرر ذلك بأعذار واهية؟ وفي كل عام تضبط الجهات الأمنية حملات حج وهمية وسماسرة استغلوا حاجة الناس من أجل المال الحرام، وبعضهم يهرّب المخالفين ويعرّض الأرواح للخطر. وهذه الممارسات إساءة للحج قبل أن تكون مخالفة للنظام، وخيانة للوطن الذي سخّر إمكاناته لخدمة هذه الشعيرة العظيمة. ومن يحب وطنه ويحترم قيادته يلتزم بالأنظمة والتعليمات، لأن احترام النظام صورة من صور الوفاء والانتماء الصادق. ورغم كل ما يُبذل، يخرج بين حين وآخر من يهاجم المملكة ويتحدث عنها بسوء، وهؤلاء لا يملكون إلا الضجيج والكراهية، بينما الواقع يشهد بما تقدمه هذه البلاد المباركة من خدمات عظيمة لضيوف الرحمن. أما المنصفون من الحجاج والزوار، فتراهم يتحدثون بإعجاب عمَّا وجدوه من أمن وتنظيم وكرم ورعاية.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وحفظ قيادتها، وأدام عليها أمنها وعزها، وكتب الأجر لكل رجل وامرأة يعملون في خدمة الحجاج والمعتمرين، وجعل ذلك في موازين حسناتهم، كما نسأله سبحانه أن يسلِّم الحجاج والمعتمرين ويعيدهم إلى بلدانهم سالمين غانمين مأجورين.
** **
- محمد العتيق