عبدالوهاب الفايز
ربما تلاحظون، ومع تصاعد الأحداث الخطيرة في المنطقة، أن ثمة رغبة تتنامى الآن ومطروحة بين النخب الخليجية وهي: أن يكون مجلس التعاون تجمعا يعود إلى المبادئ التي وضعها الآباء المؤسسون للمسيرة، ويكون منطلقا جديدا لإجماع الشعوب بحيث يحمي مصالحها، ويكون إطارا جامعا لوحدة الكلمة، ومانعا للخلاف على الثوابت، وأن يكون أكثر تماسكاً وقدرة على حماية المصالح الخليجية المشتركة.
لتحقيق هذه الرغبة الصادقة، من الضروري الاتفاق على الأمور المصيرية المفصلية مثل: قضايا الأمن المشترك، وتكثيف الجهود لإكمال الوحدة الاقتصادية وقيام سوق مشتركة، وكذلك توحيد المواقف السياسية الخارجية في القضايا المطروحة إقليميا ودوليا.
ومن أبرز الأمور التي تحتاج (وحدة الصف الخليجي) ضرورة الموقف الموحد من (الاتفاقيات الإبراهيمية)، وتوحيد الموقف تجاه قيام الدولة الفلسطينية، وتوحيد الموقف من إيران. الشعوب في دول الخليج، كيف تقتنع بوحدة المصير المشترك وهي ترى عدم الاجماع في قضايا السياسات الخارجية الأساسية. فبعد تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة التي دعا فيها دول المجلس إلى سرعة الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية أو: لا سلام مع إيران، هنا تصبح المنطقة أمام تحديات خارجية نوعية ومتجددة وخطيرة.
التحديات والأمور المصيرية، مثل الاتفاقيات الإبراهيمية، لا تحتمل المجاملات أو التطمينات أو أنصاف الحلول، أو التموضع بين ألوان الطيف السياسي.
ما يجب أن يقال يصبح واجبا بالضرورة، وكما يقول الفقهاء: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، وهذه قاعدة أصولية متفق عليها بين جمهور العلماء في النوازل والمسائل الكبرى.
والاتفاقيات الإبراهيمية من النوازل الكبرى التي وقعت علينا، بل على الأمة!
واستثمار هذه الاتفاقيات نراه يتجدد الآن ويطرح كورقة في إدارة الصراع والنزال.
وهذا أنتج أمراً جديدا في المشهد الراهن وهو ممارسة إدارة ترامب ما يمكن وصفه بسياسة الضغط المزدوج على ضفتي مضيق هرمز، إذ يربط الرئيس الأمريكي علناً بين أية تسوية محتملة مع إيران وبين انضمام بقية دول الخليج إلى الاتفاقيات الإبراهيمية.
تصريحه الصادم يكشف عن (منطق ابتزازي فجّ) ويتعامل مع الثوابت العربية كأوراق يمكن شراؤها بصفقات مؤقتة.
وزاد على ذلك تهديده بقصف عُمان، وإلقاء المسؤولية على حلفاء واشنطن الخليجيين في حربه مع نظام الملالي. مثل هذا السلوك (الترامبي) المعتاد، هناك من قلل منه، وهناك من رآه مؤشرا على خشية واشنطن من فقد السيطرة على الملف الإيراني، لذا تلجأ إلى تحميل حلفائها فاتورة إخفاقاتها، بالذات قبل الانتخابات النصفية!
ما يجب أن يقال هو أن الهدف المْبطّن من الاتفاقيات الإبراهيمية قد تحقق.
لقد شقت الصف العربي، وشتت المواقف الدولية من قضايا المنطقة المصيرية، وخففت الضغط على الكيان الصهيوني.. والآن - مع الأسف: تتيح ورقة المساومات لشق الصف الخليجي، وترفع المخاطر على استقرار وأمن شعوب المنطقة. إذا نحن نتطلع إلى (مصير مشترك)، فالأفضل والأسلم لنا أن نتخذ موقف موحد من هذه الاتفاقيات وإغلاق ملفها خليجيا.
لقد أكدت الأحداث المتتابعة أن إسرائيل تستثمر هذه الاتفاقيات كـ (طوق نجاة) لها في المنطقة. فبعد الأحداث في غزة والمذابح الفظيعة للفلسطينيين وللبنانيين، والعبث المتواصل بالأمن القومي العربي، أصبح الكيان الإسرائيلي منبوذا عالميا؛ والعالم (بأغلبية ساحقة من أعضاء الأمم المتحدة) صوت لصالح «أحقية» فلسطين في العضوية الكاملة ولصالح «حل الدولتين»، طبعا ومن الناحية الإجرائية، لا تزال فلسطين تتمتع بصفة «دولة مراقب» (غير عضو)، وما زالت أمريكا تستمتع بالتلاعب بالإجماع الأممي والقانون الدولي، وتضع العقبات القانونية والسياسية في مجلس الأمن لمسار الدولتين.
كذلك النخب الفكرية والثقافية والفنية والإعلامية اليهودية أصبحت علنا تتبرأ من الكيان الإسرائيلي. ولم يبق معه سوى الإدارة الأمريكية، والصهاينة الإنجيليين المتطرفين في أمريكا.
ترامب الذي بشر شعوب الشرق الأوسط بالسلام والاستقرار، وما زال يعلن أنه يسعى لتصحيح اخطاء الإدارات الأمريكية السابقة، الآن يقول شيئا آخر. إنه يتجاهل حقيقة أن السياسات الأمريكية الخاطئة في المنطقة هي التي أرست البنية المولّدة للصراعات والحروب المتتالية.
فالغزو الأمريكي للعراق عام 2003 فكّك الدولة وفتح الباب أمام المدّ الإيراني في المنطقة العربية.
كذلك دعم واشنطن المتواصل لحكومة إسرائيلية ترفض مبدأ الدولتين لم يُسهم في تهدئة المنطقة، بل أبقى جذوة الصراع متقدة وأمد البيئات المولّدة للتطرف بأسباب استمرارها.
وحين تُوظَّف الاتفاقيات الإبراهيمية كغطاء لإضفاء قبول إقليمي على واقع الاحتلال دون معالجة أسبابه الجذرية، فإن أي سلام يُبنى على هذا الأساس لا يعدو كونه تسوية مؤقتة تُؤجّل الأزمات ولا تحلّها.
إذا واشنطن تسعى للاستقرار الحقيقي عليها الانتقال من إدارة الأزمات المتجددة، والبدء بمراجعة سياساتها التاريخية في المنطقة بدلاً من تحميل حلفائها أعباء إخفاقاتها. سياسات وممارسات الطعن بالظهر سهل اكتشافها!
هذه التقلبات في السياسة الأمريكية الخادمة لمصالح إسرائيل في الخليج العربي ربما تؤدي إلى تحول إستراتيجي عميق في علاقة شعوب الخليج مع واشنطن.
العلاقات التقليدية سوف تأخذ نموذجاً جديداً صارماً قائماً على الشراكة الواضحة والمصالح المتبادلة.
كما أن دول الخليج سوف تجعل (أمنها الوطني في خطر قائم) إذا ظلت تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية.
أمننا الوطني الخليجي الأفضل يتحقق عبر صناعة الإجماع على اتخاذ الموقف الذي يضعنا كـ (قوة إقليمية مستقلة) تضع مصالحها الوطنية في المقام الأول.
طبعا ليس هناك من يرغب بتهميش العلاقات بين واشنطن ودول الخليج.
فتشابك المصالح في الطاقة والإستراتيجيات الصناعية والاستثمار والتكنولوجيا دخلت مرحلة متقدمة وتحقق النجاحات التي تخدم مصالح الطرفين.
لكن صيغة هذا التحالف يتطلب إعادة هيكلة جذرية إذا أصرت واشنطن على الاتفاقيات الإبراهيمية.
وما ينبغي لواشنطن إدراكه هو أن الضغط على حلفائها الخليجيين لتجاوز ثوابت القضية الفلسطينية لن يُفضي إلى سلام، بل إلى زعزعة الاستقرار.
الطريق الوحيد إلى تسوية مستدامة في المنطقة يمر حتماً عبر دولة فلسطينية مستقلة، لا عبر صفقات تجارية تُنجز لإرضاء لوبيات، أو لتسديد ديون الدعم السياسي اليهودي.
ترامب يعتقد أن السعودية أو دول الخليج مجتمعة تضعه في موقف ضعيف في حربه مع إيران، وكرر هذه أكثر من مرة.
ربما هناك من يدعو إلى عدم القلق من هذه التصريحات، فالعلاقات الخليجية والسعودية الأمريكية مرت بفترات سياسيّة صعبة وأخرى ايجابية، وشهدت تعاونا في كثير من القضايا الاقليمية والدولية، وفي فترات تاريخيّة سابقة قدمت السعودية الكثير من الدعم والمساندة لأمريكا في سنوات الحرب الباردة مع الشيوعية، وهذا وضع السعودية في موقف عدائي مع دول وأنظمة عربية وإسلامية كانت على خلاف وعداوة مع أمريكا.
الذي نتطلع اليه هو فهم وإدراك القيادات السياسية الأمريكية أن فرض الاتفاقيات الإبراهيمية على السعودية ينعكس بشكل سلبي ومباشر على علاقاتها ومكانتها التاريخية والروحية في العالمين العربي والإسلامي.
هل الإدارة الأمريكية غير مبالية بالمصالح السعودية؟ هل تدرك أننا كسعوديين قد نخسر كل الذي بنيناه مع أكثر من مليار مسلم مقابل إرضاء يهود إسرائيل؟!
مشروع ترمب لم يمر على السعودية منذ أيام الملك عبدالعزيز، رحمه الله، الذي رفضه ووقف بصرامة مع القضية الفلسطينية.
الأمر الذي نطمئن له هو أن موقف السعودية صارم وثابت تجاه القضية الفلسطينية، ويستند إلى مشروع السلام العربي الذي دعا إلى حل الدولتين.
هذا امر لا رجعة فيه، وتؤكد عليه دوما القيادة السعودية، وهذا -طبعا- لن يُرضي الطامحين والطامعين اليهود المتشددين الساعين لمشروع إسرائيل الكبرى، ولا حتى يرضي بعض العرب المتماهين مع الإملاءات الخارجية على حساب ثوابتهم!
بقي التأكيد مرة أخرى على أهمية السعي لـ(المصير الخليجي المشترك)، كلنا نتطلع إلى هذا، مع تثبيت القناعات على أن حماية المصالح الخليجية المشتركة لا تحتمل المجاملات في الثوابت!