د. عبدالحليم موسى
منذ فجر الحكاية العربية، لم تكن الرجولة مجرد هيئة تُرى، ولا قوة تُخشى، بل كانت معنى يُروى، وسيرة تمشي بين الناس حتى تتحول إلى مثل يُضرب، وحكمة تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل. فالعرب لم يخلّدوا الرجال لأنهم امتلكوا المال أو السلطان، بل لأنهم امتلكوا شيئاً أعمق من ذلك كله؛ امتلكوا الموقف. والمواقف وحدها هي التي تصنع الخلود.
وحين تُفتح دفاتر الذاكرة العربية، تتقدّم أسماء رجال صاروا علامات في الوجدان الجمعي، حتى لم يعد ذكرهم مجرد استحضار لأشخاص، بل استدعاء لمعانٍ إنسانية كاملة. فهذا لقمان الحكيم الذي ارتبط اسمه بالحكمة، حتى أصبحت كلماته نوراً تهتدي به العقول في متاهات الحياة، يعلّم الناس أن الحكمة ليست كثرة الكلام، بل معرفة موضع الكلمة وميزانها. وذاك الأحنف بن قيس الذي ضُرب به المثل في الحلم والصبر، حتى قيل إن غضبه كان آخر ما يصل إليه، وكأن روحه كانت أوسع من أن تضيق بإساءة عابرة أو نزق لحظة.
ثم يأتي حاتم الطائي، فلا يعود الكرم مجرد صفة، بل يصبح فلسفة حياة ترى أن الإنسان الحقيقي هو من يضيء موائد الآخرين ولو بقي قلبه جائعاً. لذلك ظل اسمه يسير في اللغة العربية كأنه مرادف للعطاء نفسه، فإذا أراد الناس وصف كريم قالوا: «أكرم من حاتم».
ويطلّ السموأل من عمق الذاكرة العربية بوصفه صورة الوفاء حين يتحول إلى قدر أخلاقي لا مساومة فيه. لقد أدرك العرب أن الإنسان قد يخسر كل شيء ويبقى عظيماً إذا لم يخسر شرفه الداخلي، لذلك بقي السموأل شاهداً على أن القيم الحقيقية تُختبر حين يصبح الثمن فادحاً، وحين يكون الطريق إلى النجاة أقرب من الطريق إلى المبدأ.
أما قس بن ساعدة فقد بدا في المخيال العربي صوتاً يسبق زمنه، رجلاً كان يقف في الأسواق لا ليبيع الكلام، بل ليوقظ الأسئلة الكبرى في أرواح الناس. كان حديثه عن الموت والزمن وتقلب الدنيا أقرب إلى تأملات فيلسوف يرى هشاشة الإنسان وسط اتساع الكون، ولذلك بقيت خطبه حيّة لأنها لم تكن مجرد بلاغة، بل بحثاً عميقاً عن معنى الوجود.
وفي الجهة الأخرى من الحكاية، تقف الشخصيات التي حفظها التراث بروحها الساخرة أو غرابتها الإنسانية، مثل جحا الذي بدا أحياناً ساذجاً وأحياناً حكيماً متخفياً خلف الطرافة. فقد أدرك الناس أن الضحك ليس دائماً خفة، بل قد يكون طريقة عميقة لقول الحقيقة دون صدام. وكذلك أشعب الذي تحوّل إلى رمز للطمع الإنساني الطريف، حتى صار اسمه يُذكر كلما تجاوزت الرغبة حدود المعقول. لكن العرب، وهم يروون نوادره، لم يكونوا يسخرون منه وحده، بل كانوا يضحكون على جزء خفي داخل كل إنسان.
ويحضر الكسعي بوصفه رمزاً مأساوياً للحظة التي ينهزم فيها الإنسان أمام استعجاله وظنونه. فقد تحوّل اسمه إلى درس فلسفي عميق عن خطورة الأحكام المتسرعة، وعن تلك اللحظات التي يكسر فيها الإنسان قوسه بيده، ثم يكتشف متأخراً أن الحقيقة كانت تسير نحوه. ولذلك لم يكن مثل «أندم من الكسعي» مجرد حكاية، بل تأملاً عربياً مبكراً في مأساة الإنسان حين يقتل يقينه بيده.
أما سنمار، فقد أصبح رمزاً موجعاً لفكرة الجحود الإنساني، حين يتحول الإبداع نفسه إلى سبب للهلاك. فالعرب حين قالوا: «جزاء سنمار»، لم يكونوا يتحدثون عن رجل واحد، بل عن ذلك الألم الأبدي الذي يشعر به كل مخلص حين يُكافأ بالإقصاء بعد أن يمنح عمره وإبداعه للآخرين. وكأن الحكاية كانت تقول إن الإنسان قد يخاف أحياناً من المبدع أكثر مما يحب عطاياه.
أما المطيري وغيره من الشخصيات التي تناقلتها المجالس الشعبية، فقد أصبحوا امتداداً لذاكرة المجتمع اليومية، حيث تتحول المواقف العابرة إلى أمثال حيّة تكشف طبيعة البشر، وتختصر تجارب الحياة بكلمات قليلة لكنها عميقة الأثر.
ومع ذلك، فإن هذه القيم لم تمت برحيل أصحابها، لأن الزمن لا يعجز عن إنجاب رجال يشبهون أولئك العظماء في الجوهر وإن اختلفت الأسماء والوجوه. ففي زماننا هذا ما يزال هناك رجال يحملون حكمة لقمان الحكيم، وصبر الأحنف بن قيس، وكرم حاتم الطائي، ووفاء السموأل، وإن لم تكتب أسماؤهم في كتب التراث. نجدهم في أبٍ أنهكه التعب لكنه يواصل العطاء بصمت، وفي معلم يزرع النور في العقول دون انتظار مكافأة، وفي صديق يبقى وفياً حين يتغيّر الجميع، وفي إنسان بسيط يختار الشرف رغم قسوة الحياة. أولئك هم الورثة الحقيقيون للعظماء، لأن القيم لا تورّث بالدم، بل بالمواقف. والتاريخ، مهما تغيّرت صوره، يبقى محتاجاً دائماً إلى رجال يثبتون أن المروءة ليست حكاية قديمة، بل روحاً قادرة على العيش في كل عصر.
هؤلاء الرجال لم يكونوا معصومين من الضعف البشري، لكنهم امتلكوا تلك القدرة النادرة على الانتصار على خوفهم الداخلي أو تحويل تجاربهم إلى دروس خالدة. فالرجولة الحقيقية ليست غياب الخوف، بل القدرة على الوقوف رغم ارتجاف القلب. ولذلك بقيت بعض الأسماء حيّة، لأن أصحابها اختاروا أن يكونوا أكبر من مصالحهم الصغيرة، وأوسع من حدود ذواتهم الضيقة.
لقد كانت العرب، في عمق فلسفتها الاجتماعية، تؤمن بأن الإنسان يُعرف عند الشدائد لا عند الرخاء. ففي زمن السعة يتشابه الناس كثيراً، لكن الأزمات تكشف المعادن كما تكشف النار حقيقة الذهب. هناك رجال إذا اشتد الجوع تقاسموا اللقمة، وإذا ضاقت الدنيا اتسعت صدورهم للناس، وإذا خاف الجميع وقفوا وحدهم في وجه العاصفة. أولئك هم الذين تحوّلوا من أفراد عابرين إلى رموز خالدة.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن الأمثال العربية لم تكن تمجّد القوة المجردة، بل كانت تميل إلى تمجيد الأخلاق حين تتجسد في إنسان. فالكرم عند العرب لم يكن تبذيراً، بل إعلاناً بأن الإنسان أكبر من جوعه. والشجاعة لم تكن تهوراً، بل حماية للضعفاء حين يتراجع الآخرون. والوفاء لم يكن عادة اجتماعية، بل عقداً أخلاقياً لا يُكسر حتى لو انكسرت الحياة نفسها.
وفي زماننا هذا، حيث أصبحت الصورة أسرع من الحقيقة، والضجيج أعلى من القيم، يبدو الحديث عن أولئك الرجال أشبه بمحاولة إنقاذ شيء من الروح القديمة. فالعالم الحديث يصنع مشاهير كثيرين، لكنه نادراً ما يصنع رجالاً يُضرب بهم المثل. لأن المثل لا يُصنع بالإعلانات، بل يُصنع بالصبر، والتضحية، والمواقف التي تُدفع أثمانها من القلب والعمر.
إننا حين نتأمل سير أولئك الرجال، لا نقرأ التاريخ فقط، بل نقرأ أنفسنا أيضاً. نسأل بصمت: هل ما زالت الإنسانية قادرة على إنتاج رجال إذا ذُكروا اطمأن الناس إلى أن الخير لم يمت بعد؟
ربما لهذا السبب لا تموت الأمثال العربية، لأنها ليست مجرد جمل محفوظة، بل ذاكرة أخلاقية لأمة كانت تبحث في الإنسان عن معناه قبل أن تبحث عن مظهره. وحين كانت تضرب المثل برجل، فإنها لم تكن تمدح فرداً فقط، بل كانت تقول للأجيال القادمة: هكذا ينبغي أن يكون الإنسان حين يرتفع فوق أنانيته، ويصبح قلبه أوسع من ذاته، وأبقى من عمره.