وسام النجار
معظم الناس يعتقدون أن الشخصية تُبنى من التربية والخبرات والنجاحات والإخفاقات فقط، لكن العلم الحديث يكشف حقيقة أكثر عمقًا وإثارة، فالكثير مما نسميه “شخصية” ليس إلا انعكاسًا للبيئة التي نعيش فيها. نحن لا نرى العالم فقط، بل نتأثر به في كل لحظة. الضوء الذي يدخل أعيننا يغير كيمياء الدماغ، والروائح التي نتنفسها تؤثر على مشاعرنا، والأصوات التي تحيط بنا تغير مستوى التوتر والهدوء داخل أجسادنا، والطعام الذي نأكله يشارك بشكل مباشر في صناعة أفكارنا وقراراتنا وطموحاتنا.
ولهذا لم تعد المؤسسات العالمية الكبرى تنظر إلى الإنسان باعتباره موظفًا يؤدي مهام محددة، بل باعتباره نظامًا حيويًا معقدًا يمكن رفع كفاءته أو خفضها عبر البيئة المحيطة به. فالمطارات الحديثة على سبيل المثال لم تعد مجرد مبانٍ لنقل المسافرين من مدينة إلى أخرى، بل أصبحت مختبرات متقدمة لفهم السلوك البشري. عندما يدخل المسافر إلى بعض المطارات العالمية يشعر براحة لا يستطيع تفسيرها. لا يعلم أن هناك فرقًا كاملة من علماء النفس والمهندسين والمختصين في السلوك البشري درست لون الجدران، وشدة الإضاءة، وارتفاع الأسقف، وتوزيع المقاعد، وحتى نوعية الروائح المنتشرة في الهواء. فالإضاءة الطبيعية تقلل القلق، والأسقف المرتفعة تمنح شعورًا بالحرية والانفتاح، والألوان الهادئة تخفف التوتر، والروائح المدروسة تخلق شعورًا بالأمان والانتماء.
بل إن بعض المطارات والفنادق العالمية تطور ما يسمى “الهوية العطرية”، وهي رائحة خاصة بالمكان يتم تصميمها بعناية لتصبح جزءًا من ذاكرة الزائر وتتناغم مع هوية المكان وفصوله المختلفة. وبعد سنوات قد يشم الإنسان الرائحة نفسها في مكان آخر فتعود إليه مشاعر الراحة أو الفخامة أو السعادة التي ارتبطت بذلك المكان. والسبب أن الرائحة هي أقصر طريق إلى الذاكرة والعاطفة في الدماغ، فهي تتجاوز كثيرًا من المراحل التحليلية التي تمر بها بقية الحواس وتصل مباشرة إلى المراكز المسؤولة عن المشاعر والذكريات.
الأمر لا يتوقف عند الروائح، بل يمتد إلى الأصوات أيضًا. فصوت الماء المتدفق أو الشلالات الصناعية أو الأمواج الهادئة ليس مجرد عنصر جمالي، بل وسيلة فعالة لخفض مستويات التوتر. الدماغ البشري يحمل ذاكرة تطورية عمرها آلاف السنين تربط بين الماء والحياة والأمان والاستقرار. لذلك يشعر الإنسان بالراحة عندما يسمع صوت المياه أو يرى المناظر الطبيعية، حتى لو لم يدرك السبب بشكل واعٍ.
وإذا كانت الروائح قادرة على استدعاء الذكريات، والأصوات قادرة على تهدئة الأعصاب، وقادرة على جذب الإنسان مرة أخرى إلى نفس المكان فربما يبقى السؤال الأهم ماذا يحدث عندما يدخل التأثير إلى داخل أجسادنا نفسها
أما الطعام فهو أحد أكثر العوامل تأثيرًا على الشخصية اليومية للإنسان. فالدماغ، رغم صغر حجمه مقارنة ببقية أعضاء الجسم، يستهلك نسبة كبيرة من الطاقة التي يحصل عليها الإنسان. وكل فكرة عظيمة، وكل قرار مصيري، وكل لحظة إبداع أو تركيز تعتمد في النهاية على نوعية الوقود الذي يصل إلى هذا الجهاز المذهل. ولهذا فإن نقص بعض الفيتامينات لا يظهر دائمًا على شكل مرض واضح، بل قد يظهر على شكل فقدان للحماس، وضعف في التركيز، وتراجع في الدافعية، وتقلب في المزاج، وشعور غامض بالإرهاق. كم من شخص ظن أنه فقد شغفه بالحياة بينما كان جسده يفتقد عنصرًا غذائيًا أساسيًا، وكم من شخص اعتقد أن شخصيته أصبحت أكثر حدة بينما كانت المشكلة في قلة النوم أو الجفاف أو سوء التغذية.
ولهذا بدأت شركات عالمية عديدة بإعادة تصميم بيئات العمل بالكامل. لم تعد تهتم فقط بالمكاتب وأجهزة الحاسب، بل أصبحت تهتم بجودة الهواء، والإضاءة، ودرجات الحرارة، ونوعية الطعام المقدم للموظفين. بعض الشركات توفر وجبات مدروسة تحتوي على مكونات تساعد على استقرار الطاقة الذهنية وتحسين التركيز وتقليل التذبذب في مستويات النشاط على المدى القريب والمتوسط والبعيد. فالموظف الذي يتمتع بطاقة مستقرة وذهن صافٍ وقدرة أعلى على التركيز لا يصبح أكثر إنتاجية فحسب، بل يصبح أكثر قدرة على الابتكار واتخاذ القرار والتعامل مع الضغوط وإيجاد الحلول.
وإذا كانت الشركات تعيد تصميم المكاتب لتحسين الأداء، فهناك صناعة كاملة أدركت مبكرًا أن الطاقة البشرية ليست رفاهية، بل عنصر سلامة أساسي.
وفي قطاع الطيران تحديدًا أصبحت إدارة الطاقة البشرية جزءًا من منظومة السلامة نفسها. فشركات الطيران المتقدمة تدرك أن أداء الطيار لا يعتمد فقط على مهاراته الفنية، بل يتأثر بجودة نومه، ونوعية غذائه، ومستوى الإرهاق الذي يتعرض له، والتوقيت البيولوجي لجسمه، وحتى البيئة التي يعمل فيها. لأن الخطأ البشري لا ينتج دائمًا عن نقص المعرفة، بل كثيرًا ما يكون نتيجة نقص الطاقة أو تراكم الإجهاد.
إن الحقيقة التي بدأت تتضح أكثر فأكثر في عالم اليوم هي أن الإنسان ليس كائنًا منفصلًا عن محيطه، بل هو انعكاس مستمر له. ما تأكله يساهم في تشكيل أفكارك، وما تشمه يؤثر في مشاعرك، وما تسمعه يغير حالتك النفسية، وما تراه يعيد تشكيل طريقة تفكيرك بصورة لا إرادية، حتى الطرق والإضاءة والاتساع أو الضيق. ولذلك فإن النجاح ليس قوة إرادة فقط، والشخصية ليست مجموعة صفات ثابتة، والعبقرية ليست موهبة فطرية فحسب. في كثير من الأحيان تكون أفضل نسخة منا موجودة بالفعل، لكنها تنتظر البيئة المناسبة كي تظهر.
والأكثر إثارة للتأمل أن الإنسان يعتقد غالبًا أنه يتفاعل مع العالم من حوله، بينما الحقيقة أن العالم يتفاعل معه في كل لحظة. فكل شيء تأكله يترك أثرًا في جسدك وعقلك، وكل رائحة تلامس جزءًا من ذاكرتنا ومشاعرنا، وكل صوت نسمعه يرفع أو يخفض مستوى التوتر داخلنا، وكل مشهد نراه يترك بصمة في طريقة التفكير والنظرة للحياة. وحتى الأشياء التي نلمسها، من دفء المكان إلى برودته، ومن نعومة البيئة إلى قسوتها، ترسل إشارات صامتة إلى الدماغ تؤثر في الإحساس بالأمان أو الراحة أو القلق.
ولهذا فإن الإنسان ليس نتاج أفكاره فقط، بل نتاج كل ما يحيط به. نحن في الحقيقة نأكل بيئتنا، ونستنشقها، ونسمعها، ونراها، ثم تتحول ببطء إلى جزء من شخصياتنا. فالكلمة التي نسمعها يوميًا، والرائحة التي تعيش معنا، والطعام الذي يدخل أجسادنا، والأشخاص الذين نجلس معهم، والأماكن التي نقضي فيها الوقت، كلها تشارك في تشكيل النسخة التي نصبح عليها مع مرور الزمن.
ولعل إحدى الحقائق في الحياة أن الإنسان لا يصبح ما يفكر فيه فقط، بل يصبح أيضًا ما يتعرض له باستمرار. ولذلك فإن بناء حياة عظيمة لا يبدأ من تغيير الأهداف وحدها، بل من تصميم البيئة التي تصنع الإنسان القادر على تحقيق تلك الأهداف.
وهناك دراسات ضخمة على نموذج Big Five Personality Traits أظهرت أن الشخصية تتوزع عبر خمسة أبعاد مستمرة، ومع وجود مليارات التركيبات المحتملة يصبح احتمال التطابق الكامل بين شخصين ضئيلًا للغاية. ولهذا فإن الشخصية ليست مجرد صفات، بل هي القصة الكاملة لتفاعل الجينات مع التجربة والبيئة والغذاء عبر الزمن. وهذه القصة تكاد تكون فريدة لكل إنسان على وجه الأرض، لذلك فإن كل إنسان يمثل تركيبة نفسية فريدة لا تتكرر بالكامل.
لكن يبقى سؤال عميق إذا كنا نقيس أداء الشركات بدقة، فكيف نقيس أداء الإنسان نفسه؟
في عالم الأعمال لا نقبل إدارة شركة دون أرقام. لا يوجد مستثمر يضع أمواله في شركة لا تملك تقارير مالية، ولا يوجد رئيس تنفيذي محترف يتخذ قراراته بناءً على الشعور فقط. الجميع يعود إلى الأرقام، إلى الأرباح والخسائر والتدفقات النقدية ومؤشرات الأداء، لأن الأرقام تكشف ما لا تراه العين أحيانًا.
لكن الغريب أن كثيرًا من الناس يديرون أهم مشروع في حياتهم، وهو أنفسهم، دون أي مؤشرات أداء حقيقية. نسأل عن أرباح الشركات كل ربع سنة، لكننا لا نسأل عن مخزون أجسادنا من الفيتامينات. نراقب نمو المؤسسات، لكننا لا نراقب صحة قلوبنا وشراييننا. نحلل تقارير الأعمال بدقة، لكننا نجهل أحيانًا ما إذا كانت أجسادنا تعاني نقصًا أو إرهاقًا أو بداية مشكلة يمكن علاجها مبكرًا.
ولهذا يمكن النظر إلى التحاليل الطبية الدورية على أنها “التقرير السنوي” لشركة اسمها أنت. ففيتامين D ليس مجرد رقم، بل مؤشر على الطاقة والحيوية. والدهون ليست مجرد نتائج مخبرية، بل مؤشرات على كفاءة النظام الذي يعمل داخلك. والسكر، والهرمونات، ووظائف الكبد والكلى، تشبه لوحات المتابعة التي يعتمد عليها كبار التنفيذيين لاتخاذ القرارات الصحيحة.
فالإنسان الناجح لا يخاف من الأرقام، بل يبحث عنها، لأنه يعلم أن المعرفة لا تصنع القلق، بل تصنع القدرة على التصحيح.
وكما أن المستثمر الذكي يراجع تقاريره المالية باستمرار ليضمن نمو استثماره، فإن الإنسان الحكيم يراجع مؤشرات صحته بصورة دورية ليضمن استمرار أعظم استثمار يملكه في حياته، وهي الصحة التي رزقه الله إياها.
وفي النهاية، لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه. وهذه قاعدة لا تنطبق على الشركات فقط، بل تنطبق على الإنسان.
وقد نسأل أنفسنا كيف نعمل على التحول أو التغيير؟
وربما تكون الإجابة أبسط مما نتخيل، أن نبني البيئة التي تسمح لأفضل نموذج فينا أن يبرز إلى النور. لأن الإنسان لا يعيش داخل البيئة فقط، بل البيئة تعيش داخله، وتشكل يوم في صناعة شخصيته وقراراته ومستقبله.