د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
في زمنٍ تتدفق فيه الكلمات بلا توقف، وتتسابق فيه المنصات على اجتذاب الانتباه، وتتزاحم فيه الآراء والتعليقات والتصريحات على مدار الساعة، تبرز الحاجة إلى استحضار هدي نبوي عظيم يضع للكلمة ميزانها، وللخطاب حدوده، وللرأي ضوابطه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان». وهي كلمات قليلة في ألفاظها، عظيمة في معانيها، تحمل منهجًا متكاملًا في التعامل مع الكلمة، وتؤسس لثقافة الاعتدال والمسؤولية في القول.
إن المتأمل في واقع الخطاب المعاصر يدرك أن كثيرًا من المشكلات لا تبدأ بأفعال كبيرة، بل تبدأ بكلمات صغيرة. كلمة تُقال دون تثبت، أو تعليق يُنشر في لحظة انفعال، أو تصريح يفتقر إلى الدقة، ثم لا تلبث تلك الكلمات أن تتسع دوائرها، وتتشعب آثارها، وتتحول إلى مادة للجدل أو الخلاف أو الشائعات. وما كان أثر الكلمة في يوم من الأيام أعظم مما هو عليه اليوم، بعد أن أصبحت وسائل النشر متاحة للجميع، وأصبح الوصول إلى الجماهير لا يحتاج إلا إلى هاتف وشبكة اتصال.
وفي الأزمنة الماضية كانت الكلمة تمر عبر دوائر ضيقة، أما اليوم فإنها قد تبلغ الآفاق في ثوانٍ معدودة. ولهذا تضاعفت مسؤولية المتحدث، واتسعت تبعات ما يكتبه أو يقوله. ولم يعد الإنسان يتحدث إلى مجموعة محدودة من الناس، بل قد يتحدث إلى مجتمع كامل وهو لا يشعر. ولذلك فإن الخطأ في الكلمة لم يعد خطأً عابرًا كما كان في السابق، بل قد يتحول إلى أثر ممتد يصعب احتواؤه أو تداركه.
ومن اللافت أن بعض الناس أصبح يرى أن إبداء الرأي في كل قضية نوع من الحضور، وأن التعليق على كل حدث دليل على الوعي، وأن الصمت في بعض المواطن نقص أو تراجع. وهذه نظرة تخالف ما عرفه العقلاء عبر التاريخ؛ فالحكمة لم تكن يومًا في كثرة الكلام، وإنما في صواب الكلام. ولم يكن أهل البصيرة يقاسون بعدد ما يقولون، بل بمقدار ما يضعون من كلماتهم في مواضعها الصحيحة.
ولهذا جاء الإسلام بعناية عظيمة بحفظ اللسان، حتى تكاد النصوص الواردة فيه تشكل بابًا مستقلًا من أبواب التربية والإصلاح. قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، فكل كلمة محسوبة، وكل عبارة مرصودة، وكل لفظة سيقف صاحبها بين يدي الله ليسأل عنها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، فجعل معيار الكلام هو الخير والنفع، لا مجرد الرغبة في الحديث أو المشاركة.
ولم يكن السلف الصالح ينظرون إلى اللسان على أنه جارحة كسائر الجوارح، بل كانوا يعدونه من أخطر الأبواب على الإنسان. وكانوا يرون أن كثيرًا من الطاعات قد يفسدها اللسان، وأن كثيرًا من الخصومات تبدأ منه. ولهذا اشتهرت عنهم كلمات كثيرة في التحذير من فضول الكلام والعجلة في الحديث والخوض فيما لا يعني الإنسان.
ومن أجمل ما يذكر في هذا الباب أن بعضهم كان يقول: “إذا أراد أحدكم أن يتكلم فليفكر، فإن كان لله تكلم، وإن كان لغير ذلك أمسك”. وهي قاعدة لو استحضرها الناس اليوم لوفرت على المجتمعات كثيرًا من الجدل العقيم، وكثيرًا من النزاعات التي لا طائل من ورائها.
وليس المقصود من ذلك الدعوة إلى الصمت المطلق، أو الانزواء عن المشاركة في الشأن العام، أو ترك النصح وبيان الحقائق، فهذه كلها أمور مطلوبة شرعًا وعقلًا. لكن المقصود أن يكون الكلام منضبطًا بالحكمة، قائمًا على العلم، مبنيًا على التثبت، بعيدًا عن الانفعال والاندفاع والتهويل. ومن الظواهر التي تستحق التأمل أن بعض المنصات الرقمية أصبحت تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ الحكمة، وتجذب الانتباه إلى العبارات الحادة أكثر من الكلمات المتزنة، مما يدفع بعض الناس إلى المبالغة في الطرح أو التوسع في إطلاق الأحكام أو الجزم بما لا يملكون أدوات الجزم به. ومع تكرار هذا السلوك تتشكل بيئة خصبة للشائعات وسوء الفهم والاستقطاب.
وفي المقابل فإن المجتمعات الواعية هي التي ترفع من قيمة الكلمة المسؤولة، وتمنح الثقة لأهل التخصص والمعرفة، وتشجع الخطاب الرصين الذي يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق، ويعالج القضايا بعقلانية بعيدًا عن الانفعالات العابرة.
ومن يتأمل الأزمات التي مرت على المجتمعات يجد أن كثيرًا منها تفاقم بسبب تصريحات غير محسوبة، أو معلومات غير موثقة، أو أحكام متسرعة، بينما كان يمكن احتواء كثير من تلك الأزمات لو ساد التثبت، وحضرت الحكمة، وغاب الاستعجال في إطلاق المواقف والأحكام.
وليس من الحكمة أن يشعر المرء بأنه مطالب بإبداء رأيه في كل قضية، أو التعليق على كل حدث، أو مجاراة كل موجة من موجات الجدل. فبعض الصمت أبلغ من كثير من الكلام، وبعض التريث أنفع من سرعة الجواب. وقد عرف أهل الرأي والبصيرة أن للكلمة وقتًا كما أن لها موضعًا، وأن الحكمة ليست في كثرة ما يقال، بل في صواب ما يقال. ومن تأمل أحوال الناس وجد أن كثيرًا من الندم كان سببه التسرع في الحديث، وأن كثيرًا من السلامة كان ثمرة التروي وحسن التقدير.
ولهذا ختم النبي صلى الله عليه وسلم توجيهه بقوله: «ولا يستجرينكم الشيطان». وهي لفتة تربوية عظيمة؛ لأن كثيرًا من الزلل لا يبدأ بسوء نية، وإنما يبدأ بلحظة غضب، أو رغبة في الانتصار للنفس، أو حب للظهور، أو اندفاع خلف تفاعل عابر. فيجر الشيطان الإنسان خطوة بعد أخرى حتى يجد نفسه قد قال ما لم يكن ينوي قوله، أو تجاوز ما كان يظن أنه لن يتجاوزه.
إن حاجتنا اليوم ليست إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى مزيد من الأصوات الواعية. ولسنا بحاجة إلى تضخم مساحة الكلام بقدر حاجتنا إلى ارتفاع مستوى المسؤولية فيه. فالكلمة قد تبني ثقة، وقد تهدمها. وقد تجمع القلوب، وقد تفرقها. وقد تفتح باب إصلاح، وقد تفتح أبوابًا من الفتن يصعب إغلاقها.
ومن هنا يبقى هذا التوجيه النبوي الخالد: «قولوا بقولكم أو ببعض قولكم» قاعدة أخلاقية وفكرية يحتاجها كل متحدث، وكل كاتب، وكل صاحب رأي، بل يحتاجها كل من يحمل هاتفًا يستطيع أن ينشر من خلاله كلمة تصل إلى الناس. فالكلمة أمانة، وأثرها باقٍ، ومسؤوليتها عظيمة، والسعيد من وفقه الله إلى أن يجعل لسانه أداة بناء وإصلاح، لا وسيلة هدم وإفساد.