عبود بن علي ال زاحم
قبل فترة من الزمن سمعت أحد القادة يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به».
حينها توقفت عند الحديث كثيرًا وكنت أظن أن المقصود به أصحاب المناصب العليا والقيادات الكبيرة فقط. لكن مع مرور الوقت وسماع قصص الناس وملاحظاتهم في بيئات العمل والجهات الخدمية أدركت أن معنى الحديث أوسع وأعمق مما كنت أتصور.
وفي كل مرة كنت أسمع فيها شكاوى المراجعين من بعض الموظفين أو شكاوى الموظفين من بعض مديريهم كنت أعود إلى هذا الحديث وأتأمل معانيه من جديد. عندها أدركت أن ذلك القائد لم يكن يردده من فراغ بل كان يختصر بكلمات قليلة معاناة يعيشها كثير من الناس في حياتهم اليومية.
فكم من مراجع خرج من جهة خدمية وهو يشعر أن معاملته تعطلت بسبب تعقيد غير مبرر أو بسبب موظف لم يدرك أن وظيفته وُجدت لخدمة الناس لا لممارسة السلطة عليهم. وكم من موظف عاد إلى منزله مثقلًا بالضغوط بسبب مدير جعل من منصبه وسيلة للتشديد والتعسير بدلًا من التوجيه والدعم.
المفارقة أن الشكوى في كثير من الأحيان تسير في الاتجاهين. فالمراجع يشتكي من الموظف والموظف يشتكي من مديره والمدير قد يشتكي بدوره من بيئة عمل قائمة على التعقيد وكثرة الإجراءات. وفي النهاية يصبح الجميع ضحايا لثقافة إدارية فقدت روح الرفق التي دعا إليها الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.
إن التشديد لا يكون فقط برفض المعاملات أو تأخيرها. فقد يكون في كلمة جارحة أو تجاهل متعمد أو استعراض للسلطة أو فرض إجراءات لا تضيف قيمة حقيقية. وقد يكون في توقيع يُحتجز بلا مبرر أو قرار يتأخر دون سبب أو معاملة تبقى أيامًا وأسابيع لأن صاحبها لا يملك إلا الانتظار.
وفي المقابل فإن الرفق لا يعني التهاون أو التفريط كما يظن البعض. الرفق هو أداء الواجب بكفاءة واحترام وإنسانية. هو أن تطبق الأنظمة بعدالة وأن تتعامل مع الناس كما تحب أن يعاملوك وأن تدرك أن خلف كل معاملة إنسانًا له ظروفه واحتياجاته وآماله.
في عالم الإدارة الحديثة نتحدث كثيرًا عن تجربة المستفيد وتجربة الموظف وجودة الخدمات والقيادة الخادمة والثقافة المؤسسية. ولو تأملنا هذه المفاهيم لوجدنا أن جوهرها حاضر في هذا الحديث النبوي العظيم. فالقائد الناجح هو من يزيل العقبات لا من يصنعها والموظف المتميز هو من يسهل الإجراءات لا من يعقدها والمنظمة الناجحة هي التي تجعل خدمة الإنسان هدفًا لا عبئًا.
ولعل أخطر ما في التشديد غير المبرر أنه لا يتوقف عند الشخص المتضرر فقط بل يتحول إلى ثقافة تنتقل من مدير إلى موظف ومن موظف إلى مراجع حتى تصبح القسوة سلوكًا معتادًا يظنه البعض جزءًا من العمل بينما هو في الحقيقة سبب رئيس في انخفاض الرضا وضعف الإنتاجية وتآكل الثقة داخل المؤسسات.
وحين ننظر إلى المؤسسات الناجحة نجد أن ما يميزها ليس كثرة الأنظمة ولا حجم الصلاحيات بل قدرتها على تحقيق التوازن بين الحزم والإنسانية. فالحزم مطلوب لكنه لا يعني القسوة والالتزام لا يعني التعسير وتطبيق الأنظمة لا يعني إغلاق الأبواب في وجوه الناس.
عندما سمعت ذلك القائد يستشهد بهذا الحديث لأول مرة استغربت معناه وأبعاده. أما اليوم فأفهم جيدًا لماذا كان يردده. فكل من أُعطي سلطة مهما كانت صغيرة وكل من وُضع في موقع خدمة أو مسؤولية معني بهذا الدعاء النبوي العظيم. المدير في مكتبه والموظف خلف مكتبه والمسؤول في منصبه كلهم يملكون القدرة على التيسير أو التعسير وعلى صناعة تجربة إيجابية أو سلبية للآخرين.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتتنافس فيه الجهات على رفع جودة خدماتها تبقى الرسالة الأهم أن الناس قد تنسى كثيرًا من التفاصيل لكنها لا تنسى من سهّل عليها أمرًا ولا تنسى من جعل حياتها أصعب مما ينبغي.
ولهذا سيبقى حديث النبي صلى الله عليه وسلم ميزانًا عادلًا لكل مسؤول وموظف وقائد: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به». فبين الرفق والتشديد تُبنى السمعة وتُقاس جودة القيادة وتُكتب آثار الإنسان التي تبقى بعد رحيله.