د. أنس عضيبات
في تمام الثانية بعد منتصف الليل، ينطفئ صخب البيت تماماً، لكن خلف باب تلك الغرفة المظلمة يبدأ نوع آخر من الضجيج الصامت، حيث ينعكس الضوء الأزرق الشاحب لشاشة الهاتف على وجه نحيل لمراهق لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، يقلّب بإصبع ترتجف صفحات منصات التواصل الاجتماعي بحثاً عن شيء لا يعرف كيف يسمّيه، وعلى الطاولة القريبة منه، ترقد بقايا عشاء فاخر وهاتف من أحدث طراز، وهي الشواهد التي يظن والداه خلف الجدار المجاور أنها كافية لتأمين رغد عيشه، وغير أن عينيه الغائرتين لا تبحثان عن طعام أو رفاهية، بل تقتفيان أثر تعليق عابر، أو «إعجاب» من غريب في فضاء إلكتروني موحش، يرمم به انكسار روحه بعد يوم طويل مرّ في منزله دون أن يسمع كلمة ثناء واحدة، أو يربت أحد على كتفه قائلًا: «أنا فخور بك».
حيث يجسد هذا المشهد المتكرر في ملايين البيوت المعاصرة مفارقة صارخة وصادمة في آن واحد؛ مفارقة «الجوع العاطفي في زمن الوفرة المادية»، إذ إننا نعيش في عصر يغدق فيه الآباء والأمهات على أبنائهم بكل ما تشتهيه الأنفس من مأكل، وملبس، وتكنولوجيا، ظناً منهم أن الأبوة والأمومة واقفتان عند حدود الرعاية المادية وتأمين المستقبل الاقتصادي، وفي غمرة هذا الركض العنيف وراء توفير مستلزمات الحياة، غاب عن الأذهان أن المراهق لا يتغذى بالخبز وحده، بل يقتات بالدرجة الأولى على الأمان النفسي والاعتراف الوجداني بوجوده وقيمته، وهذا الإهمال العاطفي غير المقصود خلّف وراءه جيلاً كاملاً يعاني من سوء تغذية مشاعري حاد، يدفعه دفعاً إلى الانعزال خلف الشاشات لعلها تسد رمق قلبه الظامئ.
وعندما تضيق البيوت بأهلها، وتتحول ردهاتها إلى مجرد ممرات لغرباء يجمعهم سقف واحد وتفرقهم الاهتمامات، يهاجر هؤلاء المراهقون افتراضياً إلى ما يمكن تسميته بـ«غرف الموت الرقمي»، وهذه الغرف، والمنصات، والمجموعات المغلقة ليست مجرد مساحات للتسلية، بل هي دهاليز معتمة تصطاد الأرواح الهشة والمستعدة للتضحية بأي شيء مقابل سماع كلمة طيبة أو شعور زائف بالانتماء. هناك، في تلك الزوايا الافتراضية، يتربص شياطين الابتزاز والأنفس المريضة وجماعات التطرف بهؤلاء الصبية والفتيات، مقدمين لهم «الاهتمام المسموم» والقبول المشروط الذي حُرموا منه في واقعهم الأسري، ليتحول الهاتف من أداة تواصل إلى فخ مميت يلتهم ببطء طهر براءتهم وعافيتهم النفسية.
ومن الناحية التحليلية والسوسيولوجية، يعود هذا الانجراف الإنساني الخطير إلى اتساع الفجوة الجيلية وغياب الحوار الحقيقي داخل الأسرة، وهي ظاهرة تفاقمت مع صعود ثقافة الاستهلاك والاتصال الرقمي، فلقد استبدلت الكثير من الأسر التفاعل الحي والمباشر بـ«مجموعات العائلة على الواتساب»، وتحولت العواطف الإنسانية الدافئة إلى رموز تعبيرية (Emojis) باردة وجافة لا تغني من جوع، حيث يواجه المراهق اليوم ضغوطاً هائلة تتعلق بهويته، ومستقبله، وصورته الذهنية أمام أقرانه، وعندما لا يجد في بيئته الأولى أذناً صاغية تستوعب قلقه بلا أحكام مسبقة أو توبيخ جارح، فإنه يبني لنفسه واقعاً موازياً يهرب إليه، باحثاً عن ذاته في مرآة الآخرين، حتى لو كانت تلك المرآة مشوهة وكاذبة.
إن مواجهة هذا الخطر الداهم لا تبدأ بحظر الهواتف أو تشديد الرقابة البوليسية الصارمة داخل المنزل، بل تبدأ بإعادة هندسة المشاعر وبناء الجسور الإنسانية من جديد داخل الأسرة، حيث يتطلب الحل وعياً حقيقياً من الآباء بأن واجبهم الأسمى هو «الأنسنة» قبل التأمين؛ أي منح الأبناء وقتاً نوعياً خالصاً، يُستمع فيه إليهم بحب واهتمام، وتُحترم فيه مشاعرهم وتقلباتهم النفسية دون سخرية أو تقليل، كما إن كلمة ثناء صادقة في الصباح، وعناقاً دافئاً عند المساء، وجلسة حوار تخلو من عتاب الشاشات والملامات، كفيلة بأن تملأ الفراغ الوجداني للمراهق، وتجعل من بيته حصناً منيعاً لا يجرؤ أي بريق إلكتروني زائف على اختراقه أو النيل منه.
وفي النهاية يجب أن ندرك جميعاً أن الأبناء هم مرآة لمدى حضورنا العاطفي في حياتهم، وأن إنقاذ هذا الجيل من غرف الموت الرقمي يبدأ بكلمة طيبة نابعة من قلب صادق، كما إن القلوب الجائعة للمراهقين لا تطلب المستحيل، بل تتوق فقط إلى الشعور بأنها مرئية ومحبوبة ومقدرة لذاتها لا لإنجازاتها فقط، فلنتوقف قليلاً عن الركض وراء إشباع الأجساد، ولنلتفت إلى إغاثة الأرواح التي تكاد تذبل في عتمة الإهمال، ولنجعل من بيوتنا واحات دفء تروي ظمأهم، قبل أن تسرقهم منا شاشات باردة لا ترحم، ونستيقظ على فاجعة فقدانهم وهم يعيشون بيننا تحت سقف واحد.