عبد العزيز الموسى
أحد أمراض السياسة العربية الحديثة أنها خلطت طويلًا بين ارتفاع الصوت وامتلاك القدرة، وبين حدة الخطاب وعمق التأثير. فالدولة التي تصرخ أكثر ليست بالضرورة الأقدر على الفعل، كما أن الدولة التي تتحدث بلغة هادئة ليست بالضرورة الأقل التزامًا بالقضايا الكبرى. وهذه المفارقة تفسّر جانبًا واسعًا من الالتباس العربي المزمن حول السعودية وفلسطين.
فمنذ منتصف القرن العشرين، لم تكن فلسطين فقط قضية شعب تحت الاحتلال، بل تحولت أيضًا إلى مصدر هائل لإنتاج الشرعية السياسية العربية. باسمها قامت انقلابات، وتأسست جمهوريات، وتمددت تنظيمات، وتأجلت أسئلة الحرية والتنمية والدولة الحديثة. ومع الوقت، لم تعد القضية عند بعض الأنظمة والحركات مشروع تحرير بقدر ما أصبحت رأسمالًا سياسيًا يعيد إنتاج النفوذ والخطاب والشرعية.
وربما لم تكن أزمة جزء من النخب العربية أنها فشلت في تحرير فلسطين فقط، بل إنها أخفقت طويلًا في التمييز بين إدارة الصراع وإدارة الخطاب حول الصراع. ومع الوقت، أصبح الصوت المرتفع يُكافأ أكثر من القدرة الفعلية على الإنجاز، وتحولت المزايدة نفسها إلى بديل عن السياسة.
وفي كثير من التجارب العربية، لم تكن الخطابة الثورية دليل قوة بقدر ما كانت أحيانًا تعويضًا نفسيًا عن غياب القدرة الحقيقية على التغيير. وكلما تعقدت الوقائع على الأرض، ارتفع سقف اللغة في الفضاء العام، حتى بدا أن بعض الأنظمة والتنظيمات تتقن إدارة الشعارات أكثر من إدارة نتائجها.
في هذا السياق تحديدًا، بدا الموقف السعودي مختلفًا. فالسعودية لم تبنِ شرعيتها على القضية الفلسطينية، ولم تستخدمها منصة تعبئة داخلية أو أداة للتوسع الأيديولوجي، بل تعاملت معها ضمن منطق الدولة: دعم سياسي ومالي، وتحرك دبلوماسي، ومحاولات مستمرة لحماية الحد الأدنى الممكن من الحقوق الفلسطينية ومنع تصفية القضية بالكامل.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين منطق الدولة ومنطق التنظيم. فالدولة تتحمل كلفة القرار والحرب والانهيار الإقليمي، بينما يستطيع التنظيم أن يعيش طويلًا على الخطابة المفتوحة لأنه لا يدفع الكلفة نفسها. ولهذا بدا الخطاب السعودي أقل صخبًا من كثير من الخطابات العربية، لكنه كان أكثر صدقًا والتصاقًا بمنطق السياسة الفعلية.
منذ عهد الملك عبدالعزيز، كان الإدراك السعودي لطبيعة المشروع الصهيوني مبكرًا نسبيًا، ولهذا دعمت السعودية الفلسطينيين سياسيًا وماليًا، وشاركت قوات سعودية في حرب 1948م رغم أن السعودية نفسها كانت لا تزال في طور بناء مؤسساتها الحديثة. ولم يكن ذلك جزءًا من خطاب ثوري، بل من رؤية سياسية رأت في القضية الفلسطينية جزءًا من مستقبل المنطقة كلها.
ولهذا جاءت شهادة دولة الدكتور محمد حسين هيكل باشا لافتة؛ فالرجل، بوصفه أحد أبرز الرموز الوطنية المصرية، لم يكن يتحدث بعقلية التعبئة العاطفية، ومع ذلك سجل بإعجاب نشاط الأمير فيصل بن عبدالعزيز في المؤتمرات الدولية المتعلقة بفلسطين، ورأى مبكرًا أن السعودية تتعامل مع القضية باعتبارها ملفًا سياسيًا يتجاوز الخطابة العربية التقليدية.
ثم جاء الملك فيصل، وهنا انتقلت القضية من مستوى التضامن التقليدي إلى مستوى التأثير الدولي المباشر. لم يكن استخدام النفط بعد حرب 1973م مجرد قرار اقتصادي، بل إعلان بأن تجاهل القضية الفلسطينية ستكون له كلفة إستراتيجية على العلاقة مع المنطقة كلها. ولهذا ارتبط اسم فيصل، الأمير والملك، عالميًا بفلسطين، لا بوصفه خطيبًا ثوريًا، بل بوصفه رجل دولة استطاع تحويل أدوات القوة إلى ضغط سياسي حقيقي.
وفي العقود التالية استمرت السعودية في الاتجاه نفسه: دعم سياسي ومالي للفلسطينيين، مع محاولة دفع القضية نحو تسوية تمنع انهيارها الكامل. ومن هنا جاءت «مبادرة الملك فهد»، ثم «المبادرة العربية للسلام» التي انطلقت من المملكة كمبادرة سعودية قبل أن تتحول إلى مبادرة عربية في عهد الملك عبدالله، التي لا تزال حتى اليوم آخر مشروع عربي متماسك يحظى باعتراف دولي واسع: انسحاب كامل مقابل سلام كامل، ودولة فلسطينية مستقلة مقابل علاقة سياسية.
وفي عهد الملك سلمان، ومع الأمير محمد بن سلمان، بقيت السعودية تربط أي انتقال سياسي كبير في المنطقة بحل للقضية الفلسطينية يقوم على الدولة الفلسطينية وقرارات الشرعية الدولية. والمفارقة أن المواقف الغربية المناهضة للسياسة السعودية لم تأتِ لأنها تجاوزت القضية، بل لأنها لا تزال ترفض تحويل العلاقة مع إسرائيل إلى مسار مجاني بلا أفق سياسي واضح للفلسطينيين. ولهذا بدا الموقف السعودي أقل صخبًا، لكنه أكثر التصاقًا بمنطق الدولة والاستقرار والتأثير الفعلي.
والمفارقة أن المبادرات السعودية تعرضت للهجوم من أكثر الأطراف التي انتهت لاحقًا إما إلى الانهيار الداخلي، أو إلى الحروب الأهلية، أو إلى علاقات مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل دون أي مكاسب حقيقية للفلسطينيين.
وثمة فرق عميق بين أخلاقية الشعار وأخلاقية المسؤولية. الأولى تكتفي بإعلان الموقف، أما الثانية فتتحمل كلفة نتائجه. ولهذا تبدو الدولة أحيانًا أقل رومانسية من الخطاب الثوري، لكنها أكثر انشغالًا بمنع الكارثة الكاملة.
ولهذا أيضًا ظل جزء من الخطاب العربي يرفع سقف الشعارات كلما انخفضت قدرته الفعلية على التأثير. ومع الوقت، صار التفكير الواقعي في كيفية حماية القضية يُقدَّم باعتباره «برودًا سياسيًا» أو «تنازلًا»، بينما كانت الوقائع تتحرك في اتجاه مختلف تمامًا.
وفي هذا السياق أصبحت السعودية هدفًا مثاليًا. فهي دولة مستقرة، ذات ثقل ديني واقتصادي وسياسي وعربي، وتملك قدرة حقيقية على التأثير في التوازنات الدولية. ولذلك فإن أي موقف سعودي من فلسطين لا يبقى مجرد تصريح إعلامي، بل يتحول إلى عنصر مؤثر في حسابات الإقليم والعالم.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم الطلبات الأمريكية المتكررة في ملف التطبيع. فالمشكلة ليست أن السعودية تجاوزت القضية الفلسطينية، بل إنها لا تزال تربط أي انتقال إستراتيجي كبير في المنطقة بحل سياسي واضح يقوم على الدولة الفلسطينية. أي أن أكثر دولة تُتهم بالتفريط هي نفسها الدولة التي لا تزال تشترط قيام دولة فلسطينية مستقلة قبل أي علاقة سياسية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا قالت السعودية عن فلسطين؟ بل ماذا كانت حصيلة نصف قرن وأكثر من الخطابات التي زايدت عليها؟
أين انتهت الجمهوريات الثورية؟ ماذا حققت التنظيمات التي رفعت شعار «التحرير الكامل» ثم غرقت في الانقسامات والحروب الأهلية؟ وكيف تحولت بعض العواصم التي احتكرت الخطاب الفلسطيني إلى دول منهكة أو ساحات نفوذ إقليمي ودولي؟
في المقابل، بقيت السعودية -رغم الضغوط والتحولات- محافظة على استقرارها وثقلها الدولي، وعلى الحد الأدنى السياسي للقضية الفلسطينية نفسها، في وقت تراجع فيه كثيرون حتى عن مجرد الحديث الجدي عن الدولة الفلسطينية.
ولهذا ربما لم تكن فلسطين، عربيًا، مجرد قضية أرض محتلة، بل مرآة كاشفة لأزمة أعمق: أزمة العلاقة بين الخطاب والواقع، بين الشعار والدولة، بين الحلم السياسي وإدارة العالم كما هو لا كما نتخيله.
فالقضايا العادلة لا يكفي أن تمتلك عدالة أخلاقية كي تنتصر، بل تحتاج أيضًا إلى عقل سياسي يحميها من أعدائها... ومن المستثمرين فيها معًا.
وربما كانت مأساة فلسطين الكبرى، عربيًا، أنها واجهت -إلى جانب الاحتلال- فائضًا من الخطابة لم يقل خطرًا عن العجز نفسه. فحين تتحول القضايا الكبرى إلى صناعة خطاب، يصبح الضجيج أعلى من الحقيقة، ويصبح إنقاذ القضية أصعب أحيانًا من الدفاع عنها.
إلى اللقاء.