رمضان جريدي العنزي
العطاء الحقيقي والصدقة والعون والمساعدة قيم تُقاس بصدق النية لا بحجم الصخب والضجيج، لا يحتاج إلى أضواء تُسلط، ولا كاميرات تُوثِّق، ولا شيلات تُشاد، ولا طبول تُقرَع، ولا مزامير تُعزف، فالإحسان الصادق يكفيه أن يراه الله، وتكفيه دعوة صادقة تخرج من قلب محتاج، أما ما كان لله بقي أثره، وما كان للمدح والثناء انطفأ بانطفاء التصفيق، الإحسان لا يحتاج ضجيجًا ليُرى، ولا منابر ليُذكر، فالأعمال العظيمة تبدأ غالبًا من قلبٍ رحيم، وكلمةٍ طيبة، وموقفٍ صادق لا ينتظر مقابلاً، أحسنوا ما استطعتم، فربّ معروفٍ صغير غيّر قلبًا مثقلًا، وربّ ابتسامةٍ أعادت الطمأنينة لروحٍ أنهكها التعب، فالدنيا تمضي، ولا يبقى للإنسان إلا أثره الجميل بين الناس: يدٌ امتدت بالعون، أو خاطرٌ جُبر، أو دعوةٌ خرجت من قلبٍ صادق، ومن زرع الإحسان في دروب الآخرين، أزهرت له الحياة رحمةً ومحبةً وبركة، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، إن جوهر الإحسان يكمن في النية الخالصة، وفي الرغبة الصادقة في نفع الناس ابتغاء مرضاة الله، لا طلباً للثناء أو سعياً وراء الشهرة، فكم من يدٍ امتدت بالعطاء في الخفاء، فكانت عند الله أعظم أجراً وأبقى أثراً من أعمالٍ أُحيطت بالضجيج والإعلان، لقد ربّى الإسلام أتباعه على الإخلاص، وجعل من أعظم صور الصدقة ما كان بعيداً عن أعين الناس، حتى لا يتسلل الرياء إلى القلوب، فالمحتاج لا تعنيه عدسات التصوير بقدر ما يعنيه أن يجد من يخفف عنه ألمه، ويقضي حاجته، ويحفظ كرامته، وليس المقصود التقليل من شأن نشر المبادرات النافعة أو تشجيع الآخرين على الخير، فذلك باب محمود إذا خلصت النية، لكن الخلل يبدأ حين يصبح الظهور هو الغاية، ويغدو المحتاج وسيلةً لصناعة الصورة أو كسب المديح، إن الأعمال العظيمة لا تزداد قيمةً بكثرة المصفقين لها، ولا تنقص إذا غابت عنها الأضواء، فالله سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم من بذل وأعطى وأحسن ابتغاء وجهه الكريم، ويبقى الإحسان الحقيقي ذلك الذي يترك أثراً في حياة الناس، لا ذلك الذي يترك ضجيجاً في وسائل الإعلام، ومنصات التواصل، فخير العطاء ما حفظ كرامة المحتاج، وخير العمل ما كان خالصاً لله، وخير الذكر أن يكون صاحبه معروفاً عند الله، إن الإحسان الحقيقي رسالة أخلاقية وإنسانية، وليست استعراضية، ويبقى الإحسان الحقيقي ذلك الذي يغرس الخير في القلوب، ويترك أثراً ممتداً في حياة الناس، لا ذلكلذي يصنع ضجيجاً عابراً في وسائل الاعلام، فخير العطاء ما صان كرامة المحتاج، وخير العمل ما كان خالصاً خالصاً لله، لا ينتظر ثناء ولا شهرة، فالأعمال المخلصة تبقى بركتها بعد انطفاء الأضواء، وتمتد آثارها في الدنيا، ويعظم أجرها في الآخرة، لأنها انطلقت من قلب أراد وجه الله وحده، فكتب لها الله القبول والبقاء.