د. عبدالمحسن الرحيمي
منذ بداية الثورة الصناعية وحتى اليوم، ظل «الشمال العالمي» يهيمن على الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي بصورة غير متوازنة تاريخيًا. ففي عام 1820، كانت أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية تمثل أقل من ربع سكان العالم، لكنها بدأت تدريجيًا بالسيطرة على الإنتاج الصناعي والتجارة العالمية. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة وحدها تنتج ما يقارب 50 % من الناتج الصناعي العالمي، في لحظة تاريخية جسدت ذروة الهيمنة الاقتصادية الغربية.
أما اليوم، ورغم صعود قوى آسيوية جديدة، ما يزال الشمال العالمي يسيطر على مراكز الثروة والتمويل والتقنية. فدول مجموعة السبع، التي تمثل أقل من 10 % من سكان العالم، ما تزال تهيمن على الجزء الأكبر من الثروة العالمية والناتج الاقتصادي الاسمي العالمي.
لكن الهيمنة الأعمق لم تعد اقتصادية فقط. فإذا كان القرن التاسع عشر قد شهد هيمنة صناعية، والقرن العشرون هيمنة مالية وتقنية، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد صعود شكل أكثر تعقيدًا من القوة: الهيمنة الإدراكية. فالشمال العالمي لم يعد يسيطر فقط على حركة رأس المال أو التكنولوجيا، بل بدأ يسيطر على البنية التحتية التي تُنتج الإدراك الإنساني نفسه، عبر الخوارزميات، والمنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة تدفق المعرفة العالمية.
من هنا بدأت المعركة الجديدة بين الشمال العالمي والجنوب العالمي؛ معركة لا تدور فقط حول من يملك الاقتصاد، بل حول من يملك القدرة على تشكيل الطريقة التي يفكر بها العالم ويرى بها الحقيقة.
لقد أصبحت التكنولوجيا اليوم البنية التحتية الفعلية للقوة العالمية. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بعدد المصانع أو حجم الاحتياطي النقدي، بل بعدد مراكز البيانات، والقدرة الحاسوبية، والهيمنة على أشباه الموصلات، والنماذج اللغوية، ومنصات الذكاء الاصطناعي، والبنى السحابية التي تدير الاقتصاد الرقمي العالمي.
تشير التقارير الدولية إلى أن الولايات المتحدة والصين وحدهما تستحوذان على الجزء الأكبر من الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي، بينما تسيطر شركات أمريكية كبرى على غالبية سوق الحوسبة السحابية العالمي ومحركات البحث والإعلانات الرقمية. كما أصبحت القيمة السوقية لبعض شركات التقنية تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لدول كاملة، في تحول غير مسبوق في تاريخ الاقتصاد العالمي.
لكن التحول الأخطر لم يكن اقتصاديًا فقط، بل حضاريًا وإدراكيًا. فالإنسان المعاصر لم يعد يرى العالم بصورة مباشرة، بل عبر أنظمة رقمية وخوارزميات تعيد ترتيب الواقع أمامه بصورة مستمرة. وما يقرأه الإنسان اليوم، وما يشاهده، وما يعتبره «مهمًا»، وما يغضب منه، وما يتجاهله، لم يعد يتشكل بصورة عفوية بالكامل، بل عبر بنية خوارزمية تتحكم في تدفقات الانتباه والمعرفة.
وهنا تظهر الفجوة الحضارية الجديدة بين الشمال العالمي والجنوب العالمي؛ فجوة لا تتعلق فقط بالفقر أو الصناعة أو التقنية، بل بفقدان السيطرة على «البنية التحتية للإدراك العالمي».
فمعظم النماذج اللغوية المتقدمة، والمنصات الرقمية الكبرى، والبنى السحابية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، تُنتج داخل بيئات حضارية محددة تمتلك رؤيتها الخاصة للعالم، وأولوياتها الثقافية والمعرفية الخاصة. ومع توسع هذه الأنظمة عالميًا، يبدأ العالم تدريجيًا في رؤية الواقع من خلال «عدسة إدراكية واحدة»، حتى وإن بدا ظاهريًا أنه يعيش عصر التنوع والانفتاح.
إن الخطر الحقيقي لم يعد فقط في احتكار التكنولوجيا، بل في احتكار تفسير العالم نفسه.
ومن هنا يظهر مفهوم «الاستعمار الخوارزمي»، فالاستعمار التقليدي كان يحتل الأرض والموارد والجغرافيا، أما الاستعمار الخوارزمي فإنه يحتل الإدراك ذاته. إنه استعمار يُعاد فيه تشكيل الإنسان بصورة هادئة ومستمرة عبر التحكم في تدفقات المعرفة، وصناعة السرديات، وإعادة هندسة الانتباه البشري عالميًا.
لكن الحل لا يكمن في الاستسلام لهذه الهيمنة أو الاكتفاء بدور المستهلك الرقمي، بل في بناء القدرات المحلية، وتطوير البنية التحتية التقنية الوطنية، ودعم المبادرات المعرفية، والاستثمار في البحث والتطوير، وتأسيس نماذج وطنية قادرة على إنتاج المعرفة والتقنية لا استهلاكها فقط.
هنا تبرز التجربة السعودية بوصفها واحدة من أكثر التجارب العربية والإقليمية إدراكًا لطبيعة التحول العالمي الجديد.
فالمملكة العربية السعودية لم تتعامل مع التكنولوجيا بوصفها قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل بوصفها ركيزة سيادية واستراتيجية مرتبطة بمستقبل القوة والنفوذ والتنمية. ولهذا شهدت السنوات الأخيرة تحولات كبرى في استقطاب الشركات التقنية العالمية، وإنشاء البنية التحتية الرقمية، وتطوير القدرات الوطنية في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتقنيات العميقة.
وقد نجحت المملكة في استقطاب مراكز إقليمية لكبرى شركات التقنية العالمية، ضمن رؤية تستهدف تحويل السعودية إلى مركز رقمي إقليمي وعالمي، وليس مجرد سوق استهلاكية للتكنولوجيا. وهذا التحول يعكس إدراكًا متقدمًا بأن معركة المستقبل لن تُحسم فقط بالنفط أو الاقتصاد التقليدي، بل بالقدرة على امتلاك البنية التحتية التقنية والإدراكية للعالم القادم.
وفي السياق ذاته، جاء تأسيس شركة «هيومين» بوصفه مؤشرًا على انتقال التفكير السعودي من مرحلة استخدام التقنية إلى مرحلة بناء القدرات البشرية والإدراكية المرتبطة بعصر الذكاء الاصطناعي، في محاولة لخلق منظومات وطنية قادرة على إنتاج القيمة المعرفية محليًا.
كما تمثل تجربة شركة أرامكو السعودية للتقنية، التي تأسست عام 2015 كشركة مملوكة بالكامل لأرامكو السعودية، نموذجًا مهمًا في هذا التحول. فالشركة لم تُنشأ فقط لتقديم خدمات بحث وتطوير تقني، بل لتوطين المعرفة، وتطوير الابتكار، وتحويل البحث العلمي إلى قدرة استراتيجية مرتبطة بالاقتصاد الوطني والطاقة والتقنيات المستقبلية. وهنا يظهر الفرق بين الدول التي تستهلك التكنولوجيا، والدول التي تبني «سيادة تقنية» خاصة بها.
تجربة شركة هواوي تمثل مثالًا عالميًا مهمًا على ذلك. فعندما تعرضت هواوي لضغوط وعقوبات أمريكية واسعة ضمن الصراع التقني بين الولايات المتحدة والصين، كان الهدف الأساسي هو الحد من صعودها التقني، خاصة في مجالات الجيل الخامس والرقائق والاتصالات. لكن التجربة كشفت في المقابل أن بناء القدرات المحلية والاستثمار طويل المدى في البحث والتطوير يمكن أن يحول الأزمات إلى لحظات إعادة تموضع استراتيجي.
ورغم القيود والعقوبات، استطاعت هواوي أن تعيد بناء أجزاء كبيرة من منظومتها التقنية، وأن تستمر في تطوير تقنياتها ومنتجاتها، وأن تتحول إلى رمز عالمي لفكرة «الاستقلال التقني» في مواجهة الهيمنة التقنية الدولية. وقد ركزت الشركة على الابتكار والبحث والتطوير والاستدامة لتحقيق ميزة تنافسية طويلة المدى ، كما أوضحت الدراسة كيف استخدمت هواوي استراتيجيات التمايز والابتكار لتعزيز موقعها العالمي.
إن الدرس الأهم هنا أن الهيمنة التقنية ليست قدرًا دائمًا، وأن بناء السيادة المعرفية والتقنية ممكن عندما تتحول التكنولوجيا من مشروع استهلاك إلى مشروع حضاري طويل المدى.
ولهذا، فإن المعركة الجديدة بين الشمال العالمي والجنوب العالمي لن تُحسم فقط في الأسواق أو مراكز المال، بل في مراكز إنتاج المعرفة، وبناء الخوارزميات، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وصناعة النماذج الإدراكية القادرة على حماية التنوع الحضاري والهوية الفكرية.
إن العالم يدخل مرحلة جديدة قد تنقسم فيها الحضارات مستقبلًا ليس بين غنية وفقيرة فقط، بل بين حضارات تمتلك سيادتها الإدراكية والتقنية، وأخرى ترى العالم دائمًا من خلال عيون غيرها.
وفي القرن الماضي كانت القوى الكبرى تحتل الموانئ والحقول النفطية، أما في القرن الحادي والعشرين فإن القوة الحقيقية ستذهب لمن يحتل البنية الإدراكية للعالم. فالمعركة القادمة ليست فقط على من يملك التكنولوجيا، بل على من يملك القدرة على تعريف الحقيقة نفسها.