عمرو أبوالعطا
ليس من سبيل إلى فهم الصحراء في الثقافة العربية إذا نحن أخذناها على ظاهرها الحسي، أو وقفنا عند ما تبدو عليه من امتداد الرمال وامتداد الأفق وامتداد السكون، لأن هذا الظاهر، على جماله أو قسوته، لا يكشف عن جوهرها، ولا يفضي إلى حقيقتها في الوعي العربي، الذي لم ير فيها أرضًا فحسب، وإنما رأى فيها تجربة وجود كاملة، تتجاوز الجغرافيا إلى الفكر، وتتجاوز المكان إلى معنى الإنسان في مواجهة الوجود.
تلك البقعة الممتدة من الرمال الذهبية تحت سماء زرقاء صافية، ذلك الفضاء الذي لا تحدّه حدود الرؤية البشرية، تشكّل في الثقافة العربية كيانًا يتجاوز كونه مجرد تكوين جغرافي عابر، إذ تتحول إلى رمز وجودي عميق، وإلى قارة من الحرية الكبرى كما يصفها الأديب الليبي إبراهيم الكوني، وإلى مستودع للغيوب، حيث تتشكل الأسئلة الكبرى حول الوجود والعدم. وحين يقف الإنسان العربي في قلب هذه الفسحة الشاسعة، فإنه لا يقف أمام طبيعة صامتة، وإنما يقف أمام مرآة كبرى تعكس ذاته، وتضعه في مواجهة أسئلته الأولى: من هو؟ وإلى أين يمضي؟ وما قيمة وجوده في هذا الامتداد الذي لا حد له؟
وفي العصر الجاهلي، كانت الصحراء هي الحاضنة الأولى التي تشكّل فيها الشعر العربي، باعتباره صورة دقيقة لحياة لا تعرف الفصل بين القول والوجود. لم تكن الرمال هناك خلفية للأحداث، وإنما كانت عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي، وفي بناء الصورة، وفي صياغة الحس الجمعي للإنسان العربي الأول، الذي كان يرى في الصحراء قدره ومسرحه معًا.
ومن هنا كان الوقوف على الأطلال، ذلك الطقس الذي تكرر حتى صار علامة فكرية قبل أن يكون صورة شعرية. فالطلل شهادة على الزمن في عنفه الصامت، وعلى الإنسان في ضعفه أمام ما يمحو ويغيّر دون أن يلتفت. إنه لحظة إدراك مبكر بأن كل ما يُبنى قابل لأن يُمحى، وأن الوجود نفسه محكوم بفناء لا يرحم. وفي هذا الإدراك تتشكل نواة وعي تاريخي عميق، لا يكتفي بالحزن، بل يتجاوزه إلى التأمل.
ويقول المرقش الأكبر:
«ودَوِّيَّةٍ غَبْراءَ قد طالَ عَهْدُها
تَهالَكُ فيها الوِرْدُ والمَرْءُ ناعِسُ»
وهذا القول، على قصره، يكشف عن طبيعة الصحراء كما استقرت في الوعي القديم: امتداد يرهق الجسد، ويختبر قدرة الإنسان على الاحتمال، ويضعه في مواجهة زمن لا يُقاس بالساعات، وإنما بالمسافات والمشقة.
أما الرحلة في الصحراء، فقد كانت، في حقيقتها، أكثر من انتقال من مكان إلى مكان؛ كانت امتحانًا للوجود ذاته. فمن خرج إلى الصحراء خرج إلى تجربة تتكشف فيها حدود القوة البشرية، وتتعرى فيها النفس من أوهامها. وكان الليل في هذا السياق تجربة خاصة، كما عند امرئ القيس:
«وليل كموج البحر أرخى سدوله
عليّ بأنواع الهموم ليبتلي»
وهنا لا يعود الليل زمنًا، بل يصبح حالة من الامتداد النفسي الذي يبتلع الإنسان ويعيد تشكيل وعيه، حتى يغدو الفرد أمام ذاته وحدها، بلا سند إلا ما في داخله من قوة أو اضطراب.
ولم تكن الناقة في هذا السياق مجرد وسيلة للحركة، كما قد يتوهم من ينظر إلى الأمر بعين سطحية، وإنما كانت عنصرًا من عناصر البقاء، وشريكًا في الرحلة، ورمزًا لصبر يتجاوز حدود الحيوان إلى معنى الوجود نفسه في مواجهة القسوة.
ثم جاءت تجربة الصعاليك، لتضيف بعدًا آخر إلى علاقة الإنسان بالصحراء. فقد كانت الصحراء عندهم ليست مكانًا فحسب، وإنما كانت موقفًا من المجتمع، ومجالًا للرفض، ومساحة للحرية في وجه نظام قبلي صارم. يقول الشنفرى:
«وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القلى متعزل»
وهنا تتجلى الصحراء بوصفها نقيضًا للسلطة الاجتماعية، وفضاءً مفتوحًا لإعادة تعريف معنى الحرية، بعيدًا عن قيود الجماعة ومعاييرها.
ومع تطور التاريخ العربي، لم تبق الصحراء على صورتها الأولى، وإنما دخلت في شبكة معقدة من التحولات الفكرية والاجتماعية، فأصبحت في الأدب الحديث موضوعًا للتأمل الفلسفي. وفي أعمال إبراهيم الكوني تتخذ الصحراء شكل الكائن الحي، الذي لا يفصح عن أسراره إلا لمن تجرّد من تعلقاته، حتى قال: «الصحراء لا تمنح أسرارها إلا لمن يتخلى عن كل شيء»، وهي عبارة، مهما بدت بسيطة في ظاهرها، فإنها تكشف عن رؤية ترى في الصحراء طريقًا إلى المعرفة لا إلى المكان.
وفي مقابل هذه الرؤية، يقدم عبد الرحمن منيف في «مدن الملح» صورة أخرى للصحراء، حين تدخلها قوى النفط والحداثة، فتتحول من فضاء رمزي إلى مجال اقتصادي، ومن عالم من التوازن البسيط إلى فضاء من التناقضات العنيفة، حيث تتغير القيم كما تتغير الأرض، ويغدو الإنسان جزءًا من آلة أكبر منه.
وفي رواية «طعم الذئب» تتخذ الصحراء شكل الامتحان الوجودي، حيث لا يواجه الإنسان الطبيعة وحدها، وإنما يواجه ذاته، في رحلة تتكشف فيها هشاشته وقوته في آن واحد، حتى يغدو البحث عن الهوية هو جوهر الرحلة لا نتيجتها.
وفي الشعر الحديث، تتسع دلالتها حتى تصبح رمزًا للتيه والمنفى والانبعاث، كما عند أدونيس، أو رمزًا للشتات والغياب والحنين، كما عند محمود درويش، حيث تتحول الصحراء إلى حالة نفسية أكثر منها مكانًا جغرافيًا.
وتتأسس داخل هذه السردية منظومة رمزية دقيقة: فالماء حياة، والريح تغير، والرمال زمن، والنجوم هداية، والحيوان دلالة على طبائع متعددة تتراوح بين القوة والصبر والغدر والوفاء. وهذه الرموز ليست ترفًا تعبيريًا، وإنما هي محاولة لفهم العالم من خلال عناصره الأولى.
ولا يمكن فصل هذه السردية عن بعدها الروحي، إذ ارتبطت الصحراء في الوعي العربي بأحداث كبرى في التاريخ الديني، حتى غدت جزءًا من التصور المقدس للوجود، ومجالًا لتجليات كبرى في الوعي الجمعي، حيث يتداخل التاريخ مع الإيمان، وتلتقي الجغرافيا بالمعنى.
وفي النهاية، فإن الصحراء، كما استقرت في الثقافة العربية، ليست موضوعًا يمكن الإمساك به من جهة واحدة، لأنها ليست شيئًا واحدًا، وإنما هي طبقات من المعنى تتراكم فوق بعضها، حتى تغدو سؤالًا مفتوحًا عن الإنسان، وعن قدره في هذا الامتداد الذي لا ينتهي، وعن علاقته بنفسه حين يُجرد من كل ما ليس جوهره.